غير مصنفة

أسطوانة مشروخة لا تُملّ

عبد اللطيف الزبيدي

ألا تشعر بالأسى حين تكتشف أن المسؤولين الفلسطينيين، الذين اجتمعوا في القاهرة، لا يملكون روح الدعابة؟ المشهد مرثيات خنسائية، وهم يصفقون بحماسة أبي تمام. الإنجاز الوحيد هو أن المصالحة تجعل دم نتنياهو يفور، فيواسيه ليبرمان، هوّن عليك بكوب عصير «تنسيق أمني».
منظر حفل التوقيع تراجيكوميديا. اثنان من أعيان اللفيف المقرون المفروق، في معجزة التقاء الخطين المتوازيين، يوقّعان على وثيقة فحواها يعلمها الفطن اللبيب، فهي تنصّ على اتفاق ظاهره يسرّ الساذجين، وباطنه لا يساوي الحبر الذي كتب به، لدى الغاصبة، وإلا فما معنى التنسيق؟ لنأخذ الأمور بحسن ظن، لا على طريقة الطغرائي: «وحسن ظنك بالأيام معجزة..فظن شرّاً وكن منها على وجلِ». الحمد لله على أن الإخوة ثابوا إلى رشدهم بعد سبعة عقود، وعقدوا العزم على إصلاح أمرهم بإبرام الصلح. الآن حصحص الحق وأدركوا أن سبعين سنة عجفاء تكفي، وأن السنين السمينة لأبي الطيب رأيٌ فيها: «أعيذها نظراتٍ منك صادقةً.. أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ». لكن فهم الأمور ليس بهذه البساطة. نحتاج إلى محركات بحث إعجازية لكي نستطيع وضع تحليل منطقيّ معقول ولو نسبياً.الصورة لا تخلو من السخرية الطريفة، فأوضاع العالم العربيّ كلها رهينة القضية الفلسطينية، التي لم تعد مركزية إلا في توقف كل شيء عليها: التنمية العربية، السلام الذي بات تتهدده الحروب في أي لحظة، المستقبل الذي صارت فيه حتى إعادة الإعمار حلماً محفوفاً بالأخطار.مع ذلك لا يلوح في الأفق عمل فلسطينيّ جادّ، غير استئناف المفاوضات التي أدّى ماضيها الكوميديّ إلى حاضرها المأساوي.غدت الآمال معقودة في ناصية «صفقة القرن»، وهي هاوية أعمق ستنحدر إليها القضية لتجرّ معها النظام العربيّ إلى تناقضات مريبة، تتلخص في سؤال بسيط: لماذا ضاعت كل هذه العقود في ما لا يساوي نقيراً أو قطميراً؟ لماذا أصبح الصلح بين الأخوين غنيمة، بالرغم من أن التصالح لا يعني أنهما سيتفقان على الطريق الذي ليسا من يحدده، ولا العرب مجتمعين يقدرون على شقه ورسمه.رسم الخرائط ودروب المصير لم يكن يوماً شأناً عربياً.الغاصبة مطمئنة إلى أن المصالحة طريق معبّد إلى خلافات جديدة، إلى يوم الرضوخ والتسليم.يبقى الأمل الوحيد، وهو أن يأخذ الشعب الفلسطينيّ شؤونه الحيوية المصيرية بجدّ، ويتولى الملف بنفسه.ما عدا ذلك إضاعة وقت جديدة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفيزيائية: يقول أينشتين، الجنون هو أن تكرر الشيء نفسه وتتوقع نتيجة مختلفة.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى