غير مصنفة

مصر بعد المجزرة

محمد نورالدين

كان الهجوم الإجرامي على مسجد في بلدة بير العبد في شمال سيناء، وسقوط أكثر من 300 شهيد وعشرات الجرحى الآخرين غير مسبوق في تاريخ مصر. الحادثة مدوية من أكثر من زاوية، وأكثرها إثارة تلك البرودة في القتل التي تعاطى بها الإرهابيون، واختيار بيت من بيوت الله هدفاً لهم. وهذا يؤكد أن الإرهاب لا دين له، وأن هؤلاء القتلة لا يمتّون بصلة سوى في الهوية إلى الدين الحنيف وتعاليمه السمحة. حتى في الحروب، فإن كل مدني، وليس فقط المصلين، براء من أي استهداف. حتى المقاتلون الأسرى يُعاملون بالحسنى، ووصايا عمر بن الخطاب حول القدس لا تزال شاهدة على معايير الأخلاق في الصراعات والتعامل مع الآخرين أياً كانوا.
لكن الملفت والمحزن في الوقت نفسه أن الهجمات في مصر تتكرر من دون النجاح في إيجاد حل لوقفها، سواء عسكرياً أو اجتماعياً. ولا شك أن مواجهة القتلة لا تكون بالدبلوماسية ولا بالموعظة الحسنة. فهؤلاء فقدوا كل إحساس إنساني.
لكن مصر تمتلك أكبر جيش عربي. وهو الجيش الوحيد المؤثر الذي حافظ على وحدته وقدراته في خضم مؤامرات الربيع الدموي التي أطاحت بجيوش كثيرة من ليبيا إلى سوريا فالعراق واليمن. ولعل الأعداء يريدون أن يكرروا مع مصر وجيشها ما فعلوا مع جيوش تلك الدول واستقرارها ووحدة أراضيها. وبعدما بدأ يلوح انتهاء «داعش» وغيرها من التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، ها هي المؤامرة تشتد على مصر، حيث تلفحها المؤامرة منذ بداية خريف العرب عام 2011.
لكن تلك الأحداث الدموية التي تشهدها مصر تستدعي أكثر من سؤال وتساؤل. منها أن مصر لم تشهد حالة اضطراب واسعة ولا حرباً أهلية ولا انقساماً داخلياً مثل الذي شهدته دول عربية أخرى. ولأنها عصية على المؤامرة، فإنها لا تزال هدفاً للإرهاب. صحيح أنه ليس من أمن كامل في أي بلد في العالم، حتى لو كان الولايات المتحدة الأمريكية، ومع أن مصر بلد مكتظ بالسكان، وقد يسهل تكثيف الهجمات في المناطق المأهولة جداً، لكن منطقة سيناء ليست مأهولة كفاية، كما أنها مكشوفة حتى في مناطقها الجبلية، بحيث لا يسهل على الإرهابيين الاختباء بسهولة. لذلك فإن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق السلطة الأمنية.
وما لفت في وكالات الأنباء أن مصر طلبت من «إسرائيل» السماح بإرسال قوات إضافية إلى سيناء لتستطيع أن تواجه العمليات الإرهابية، لكن «إسرائيل» رفضت ذلك، ما يثير أكثر من علامة سؤال حول دور «إسرائيلي» محتمل لاستهداف مصر والجيش المصري تحديداً من أجل إضعافه، باعتباره الجيش العربي الأقوى الذي لا يزال صامداً، وهو أمر يتعارض مع الهدف «الإسرائيلي» لتدمير الجيوش العربية.
لا ضرورة للقول إن اتفاقية كامب ديفيد كانت هزيمة كبيرة للعرب، وإضعافاً للقضية المركزية فلسطين، وإذعاناً للعدو مقابل انسحاب مشروط من سيناء. ولو افترضنا أن الاتفاقية قد تلزم الطرفين وفقاً للمعاهدات الدولية، لكن من حق مصر أن تطالب على الأقل بتعديلها. فالظروف التي أملت المعاهدة حينها تغيرت اليوم، مع حدوث الهجمات الإرهابية وحق مصر في التصدي لها حتى لا نقول بضرورة إلغاء الاتفاقية، وهذا هو المطلب الحق.
صحيح أن مصر تواجه إرهاباً من جماعات إسلامية متطرفة، تأذت بعد ثورة 30 يونيو، لكن لا يمكن تبرئة «إسرائيل» من الإرهاب الذي تواجهه مصر من تنظيمات تكفيرية ولا سيما في شمال سيناء. وإذا كان العدو يستفيد من ضرب الاستقرار في مصر، وأصابع الاتهام تشير إلى دوره التدميري، فإن الأمر يستدعي المطالبة بتعديل الاتفاقية. فشعار «مصر أولاً» هو الذي يجب أن يكون الأعلى، فساحات مواجهة الإرهاب باتت واحدة، وأمن مصر من أمن ليبيا وسوريا وتونس والسودان. مصر مطالبة من دون تأخير أن تعود لدورها العروبي القيادي الذي كان صمام أمان لمنع انفجار الكثير من الصدامات والصراعات التي تغرق فيها منطقتنا العربية.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى