غير مصنفة

سينما وكتابة

د. حسن مدن

للسينمائي المغربي نور الدين الخماري، قرأتُ حواراً حول أفلامه ورؤيته للسينما، تقنيات وأدوار، فوقعتُ على أفكار مهمة تحملنا، نحن المهتمين بالكتابة على البحث في مناطق التقاطع والافتراق بين السينمائي والكاتب، وهي أفكار تحتمل أكثر من حديث، ولكننا سنختار منها تلك المتصلة بكتابة السيناريو، فعلى الرغم من كونه نشاطاً سينمائياً بدرجة كبيرة، إلا أن ثمة وشائج قربى قوية بينه وبين الكتابة، كيف لا وهو نفسه كتابة؟
يقول الخماري إنه حين تأتيه فكرة الفيلم، يفكر فوراً في العنوان، وطالما لم يضعه، أو يضع تصوراً أولياً له، فهو لن يستطيع الكتابة، ولكنه بعد أن ينتهي منها فإنه يرتجل ولا يتقيد تماماً، أو بالضرورة، بالسيناريو، فمثلاً حين يكتب عن الدار البيضاء ثم يذهب إلى مواقع التصوير ويصادفه هناك غير ما تخيله، فإنه يضطر إلى التلاؤم مع الوضع.
الأرجح أنه ليس كل كتاب السيناريو يفعلون ذلك، أي يبدأون بوضع العنوان، فالمهم هو الإمساك بالفكرة، ومن الواضح أن العناوين للفكرة الواحدة تختلف، بمعنى أنه يمكن اختزال الفكرة في أكثر من عنوان، لكن المؤكد أن عنواناً بعينه هو الذي يكثف الفكرة ويحيط بها أكثر من سواه، حين تفعل فعلين مختلفين، لكنهما يؤديان إلى النتيجة نفسها.
الفعل الأول هو حث المشاهد، أو القارئ في حال الكتابة، على مشاهدة الفيلم أو قراءة الكتاب، بالنظر إلى شحنة الدلالات التي يوحي بها هذا العنوان. أما الفعل، أو التأثير الثاني، فهو ذاك الذي يأتي بعد مشاهدة الفيلم، أو قراءة الكتاب، حين نشعر أن العنوان الذي جذبنا في البداية، يجسد ما رأيناه بالفعل، بعد المشاهدة والقراءة، فلا نكاد نتخيل له عنواناً آخر.
أعرف من التجربة أن الكاتب يبدأ بوضع عنوان لما سيكتبه، كتاباً كان أو حتى مقالاً، قبل أن يشرع في الكتابة، ولكن هذه الأخيرة تفرض لنفسها، ونحن نكتب، مساراً آخر، غير ذاك الذي تخيلناه في البداية، حين تأتينا مجموعة من الاستدعاءات أو تحضرنا تفاصيل خلناها غائبة، ولكن الذاكرة تستدعيها بشكل يبدو مدهشاً، في بعض الحالات للكاتب نفسه، الذي ما كان سيتذكرها لو لم تتكثف، في تلك اللحظة، كل تلك الحزمة في بؤرة واحدة.
حينها نشعر أننا تجاوزنا العنوان الذي فكرنا فيه في البداية، وربما كتبنا فكرة أخرى مختلفة عن تلك التي قصدناها، التي يمكن القول إنها فقط لعبت دور الصاعق الذي فجّر في الذهن فكرة أو أفكاراً أخرى. وفي تقديرنا أن هذا يشبه، من حيث الجوهر، ما عناه السينمائي المغربي من أنه بعد أن يشرع في التصوير لا يجد نفسه ملزماً بكل ما كتبه في السيناريو، فيتدخل بالإضافة والحذف والتعديل، بما يناسب ما طرأ على الفكرة، أثناء العمل، من تطور.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى