غير مصنفة

خواطر في جراح المعنويّات

عبد اللطيف الزبيدي

هل ترامب جادّ في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟ وهل العرب والمسلمون جادّون في رفض نقلها؟ في شأن الرئيس، المستشار الصهر كوشنير أعلم بالخفايا. أمّا عن الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، فنعم صفات الماء: لا لون، لا رائحة ولا طعم، غير أنهما نقيض الآية الكريمة.
لم تعرف الشعوب العربيّة موقفاً جادّاً في أمر القضية، ما خلا الشعارات والتوصيات. لكن الدعابة تستطيع أن تصور لنا المشهد بأجلى مما نتصوّر. رسميّاً، هذه المعضلة تُطرح على الجامعة وتلك الإسلامية، فهل ما لا تقوى عليه إحداهما، تهب الأخرى لتحقيقه بضربة لا رادّ لها.
لنأخذ الأمور ببساطة، حتى تكون الأمور واضحة. المواقف رهن بموازين القوى. ما هي نقط القوة لدى العرب، أهل القضية الأقربين، لكي نحدد مدى المقدرة على الفرض أو الرفض؟ الأقرب إلى الواقع والحقيقة، هو أن فن الممكن محدود الوسائل، لأن الجامعة لم تستطع أن تكون جامعة، فهل يُعقل أن تكون قادرة على أن تحقق في منظمة التعاون، ما لم تحققه بين جدران مقرّها هي؟ لهذا نرى القضية أشبه بصخرة سيزيف، أو بحرث في الهواء.
السؤال الذي يجب ألاّ يحيّر عاقلاً هو: لماذا أصرّ ترامب على أن يقرن الحديث عن نقل السفارة إلى القدس، بالسخرية من العرب والمسلمين؟ لعلة أراد البرهنة لفيلسوف التاريخ أرنولد توينبي على أن «التحدي والاستجابة» مسألة لا يُستجاب لها في المنظمتين، مع شماتة ونكاية بالأمّتين: افعل ما بدا لك فلن يفعلوا شيئاً. من هنا نحتاج إلى تلسكوب هابل لرؤية نجم حل عادل خارج سكّة «التعبانة»، لا تكون طعنة «القرن».
اللامفكّر فيه في القضية، أمران يجب طرحهما عربيّاً بشجاعة، لأنه من مصلحة الجميع عدم الفصل بينهما. الأول سياسيّ محوره محدودية ما يمكن أن يفعله العرب بالوسائل المتاحة على ضآلتها، بالرغم من عدم اقتناع الشعوب بقلّة الإمكانات، لأنها تنظر إلى المعطيات الضخمة: المساحة العربية، النفوس، الثروات الطائلة إلخ، ولا ترى انعدام الوزن السياسيّ وتعذر القدرة على الفعل عملياً. الآخر هو الإحساس بالمسؤولية إزاء ما سترثه الأجيال المقبلة، وما سيسجله التاريخ من صفحات غرائبية وغير قابلة للهضم. على النظام العربيّ في تشتته أن يتعالى عن ظروفه ويسأل نفسه: كيف ستكون صورتي غداً؟ يجب إدراك أن ما يتوهم أنه الحل اليوم، ليس سوى تأجيل للمشكلات، وما هو إلا إلقاء بالأعباء المتراكمة المتفاقمة على عاتق الأجيال المقبلة، «حمّالة الأسيّة».
لزوم ما يلزم: النتيجة العقلانية: تحطيم المعنويات أخطر من الجراح المادية.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى