غير مصنفة

المكارثية الثانية

د. محمد الصياد

في عام 1950 قاد النائب في مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب الجمهوري، جوزيف ريموند مكارثي، حملة شعواء طالت أوساطاً واسعة من الشعب الأمريكي، وشملت وزارات وإدارات حكومية، وجامعات، وصناعة السينما في هوليوود، وقطاعات أخرى، اتهمها بالتجسس والتعاطف مع الاتحاد السوفييتي. لكن هذا التكتيك الذي اتبعه للإيقاع بآلاف الأبرياء، سرعان ما ارتد عليه، حيث صوّت الكونجرس في ديسمبر 1954على قرار قضى بتوجيه توبيخ له وتجريده من مناصبه البرلمانية.
مكارثي توفي في سن مبكرة عن عمر لا يتجاوز 48 سنة بعد إصابته بمرض الكبد الوبائي، بسبب إدمانه الكحول، وفقاً لتشخيص سبب الوفاة. لكن المكارثية بقيت كممارسة شائعة ما انفكت تحوم بشبحها في مجتمعات العالم المختلفة. والمثير أن بلد منشأها ربما حنّ لأيامها تلك، فاستدعاها ثانية لتصبح العنوان الرئيسي الذي بات يهيمن على الحراك السياسي والبرلماني والإعلامي هذه الأيام في العاصمة واشنطن، في تكرار مثير للأجواء المسمومة التي أطلقت فيها المكارثية «ماردها»، والتي سيطرت على أجواء العلاقات السياسية والاجتماعية لفترة امتدت زهاء أربع سنوات (من 1950-1954).
وإذا كانت المكارثية الأولى قد استهدفت في الأساس عموم المواطنين، إضافة إلى بعض العاملين في الدوائر الحكومية، فإن المكارثية الثانية الحالية، تستهدف بالأساس رؤوس النظام وكبار أقطاب مؤسسة الحكم ونخبتها السياسية التي تتقاسم مواقع السلطة والنفوذ. فمن يتابع المشهد السياسي الأمريكي الداخلي هذه الأيام، سوف يرقب تصاعد حمّى ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحملة «مطاردة الساحرات». وهي حملة بدأت منذ إعلان فوز ترامب بالرئاسة في الانتخابات التي جرت يوم الثامن من نوفمبر 2016. «نحن لن نسير خائفين، أحدنا من الآخر، ولن يتم التحكم بنا بالخوف، ونحن رجال لا نخاف في التعبير عن آرائنا، بالكلام والكتابة وإقامة الصلات الاجتماعية والدفاع عن القضايا التي لا تتمتع بشعبية في الوقت الراهن». بهذه الكلمات عبَّر الصحفي الإذاعي إدوارد مارو في خمسينات القرن الماضي للاحتجاج ضد ما سمّاه حملة «مطاردة الساحرات» التي طاولت الآلاف من الأبرياء بتهمة التعاطف مع الشيوعية.
تعود اليوم المكارثية بمسمى أطلق عليه الإعلام الأمريكي البديل «وصفة روسفوبيا الزائفة» (Russophobic nostrums)، وهو نعت منحوت، على الأرجح، من المصطلح الذي كان أحد عناوين الحرب الباردة بين الشرق والغرب إبان سيادة الثنائية القطبية، الشرق بقيادة الاتحاد السوفييتي، والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. اليوم تستحوذ قضية «التدخل الروسي» في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، على حيز واسع من أوقات وأشغال واهتمامات مختلف مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة. فقد تم إنشاء عدة لجان تحقيق في محاولة لكشف كل من له علاقة بالروس، أو يمكن أن يكون اتصل بهم أو اتصلوا به قبل أو أثناء أو بعد الانتخابات. وبدوره يقوم التيار الرئيسي للإعلام الأمريكي بوظيفته التقليدية في تغذية هذه الحمّى والهستيريا، كي لا تفقد القضية زخمها ومركزيتها في الاهتمام والوعي الجمعي الأمريكي. ووصلت الهستيريا إلى ذروتها بقيام روبرت مولر، الرئيس الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالية، والمحقق الخاص المعين من قبل وزارة العدل الأمريكية للتحقيق في شبهة التلاعب بالانتخابات الرئاسية وعلاقة الرئيس ترامب ورجاله بموسكو، بتوجيه 12 اتهاماً إلى مدير حملة الرئيس الانتخابية ومستشاره بول مانفورت، مطلع شهر نوفمبر المنصرم، من بينها التآمر ضد الولايات المتحدة، واتهامات جنائية أخرى تتعلق بغسل الأموال والتهرّب الضريبي والاحتيال لإخفاء مصادر أموال كان قد حصل عليها من الرئيس الأوكراني المطاح به فيكتور يانوكوفيتش. وقد صدر أمر بوضعه قيد الإقامة الجبرية. وسيتلو ذلك، على الأرجح، توجيه اتهامات في الأسابيع والشهور القادمة لمسؤولين آخرين في البيت الأبيض، حيث أشارت لجنة التحقيق التي يرأسها مولر إلى أن هناك أشخاصاً آخرين لم تسمهم، اعترفوا في التحقيق بإخفاء معلومات والكذب على السلطات فيما يتعلق بأي علاقة لهم مع جهات روسية.
أصل القضية في هذه الموجة الثانية من المكارثية يكمن، على ما نزعم، في أن الخاسر في الانتخابات الرئاسية، لا يريد الاعتراف بهزيمته والتسليم بنتائجها رغم مرارتها، ونقصد بذلك الحزب الديمقراطي ومرشحته إليها هيلاري كلينتون. وهذا مستجد خطر في اللعبة الديمقراطية الأمريكية.

alsayyadm@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى