غير مصنفة

حياة بدون هاتف

د. حسن مدن

لديّ صديق تجمعني به علاقات زمالة في مؤسسات أهلية، يعد من الحالات النادرة التي قد نصادفها اليوم، لأنه يصر حتى اللحظة على عدم اقتناء «الهاتف الذكي»، وهو مصر على جهازه القديم «نوكيا»، الذي لن تجد له نظيراً في الأسواق اليوم، للدرجة، ويمكن القول إن هذا الطراز من الهواتف المحمولة قد انقرض ولن يعود ثانية.
ولأننا بتنا جميعاً نشكل، من خلال هواتفنا الذكية، مجموعات تواصل لأغراض شتى، بينها التنسيق بين أفراد فريق يعملون معاً في مهام دائمة أو مؤقتة، فعوضاً عن الاتصال بكل فرد على حدة، نشأت مجموعات التواصل الجماعي التي يجري، عبرها، التشاور وتبادل الآراء حول المهام وتحديد مواعيد الاجتماعات وما إلى ذلك، صرنا نلحّ على صديقنا هذا بأن يكف عن عناده، ويقتني هاتفاً ذكياً، لتسهيل التواصل معه، ولكن دون جدوى.
وهو حكى مراراً أن بناته أهدين له، بمناسبة عيد ميلاده، واحداً من هذه الهواتف بعد أن يئسن في حمله على أن يفعل ذلك بنفسه، فقررن جعله أمام الأمر الواقع بوضع الهاتف الذكي بين يديه. شكر الأب بناته وضحك قائلاً: هديتكن لا ترد، لكنها ستجد طريقها إلى الدولاب للذكرى، واستمرّ، وبكل اعتزاز، مع هاتف «نوكيا» الأثير عنده.
لهذا الصديق فلسفته في الأمر، التي ليس بوسعك إلا احترامها، فهو يقول: لا أريد أن أصبح مثلكم عبداً لهذا الجهاز، حيث لا تطيقون الانفصال عنه حتى لبضع دقائق، تتفقدون ما وصلكم خلاله من فيض الرسائل التي لن تصبح الحياة معها أفضل، بل ربما العكس.
وإذا كان صديقنا هذا عازفاً عن الهاتف الذكي وحده، مستعيضاً عنه ب «نوكيا»، فإن أستاذاً للفلسفة في جامعة أمريكية اسمه فيليب ريد كتب مقالاً شائقاً حول عزوفه حتى عن مجرد اقتناء هاتف نقال، أياً كان نوعه، وعلى جري ما يفعل الفلاسفة بأن يجدوا العلة والمعلول في كل شيء، أسهب صاحبنا في تعداد أسباب عزوفه هذا، من قبيل حماية البيئة، لأن الحصول على المواد الخام لصناعة الهواتف والطاقة التي تستهلكها والطاقة المستخدمة لبث المكالمات والاتصال بالانترنت تنتج انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.. إلخ.
لن نأخذ أقوال الرجل على محمل الجد، ليس لأنها صحيحة، ولكن معرفتنا بأن امتناعه هو والقلة التي مثله عن اقتناء الهواتف لن يجعل البيئة أنظف، خاصة أنه ينتمي لبلد قرر رئيسه مؤخراً الانسحاب من معاهدة دولية لحماية الأرض من التلوث، ولكن ما هو جدير بالملاحظة قوله إنه يفعل ذلك لأنه يرى أن الهواتف النقالة هي الشكل الجديد لانتهاك الحيوات الشخصية الذي كان موجوداً دائماً، فالتواصل مع شخص غير موجود جسدياً له أثر تغريبي، وما تفعله الهواتف النقالة هو تعزيز قدرة أسلافها على التدخل في العالمين العام والخاص للإنسان.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى