قضايا ودراسات

تحوّل ميزان القوة بين أمريكا والصين

كريستوفر لاين*

في نوفمبر/تشرين الثاني، زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكين، للقاء «صديقه» الصيني شي جين بينج. وتصدرت المحادثات محاولة ترامب إقناع شي بتشديد الخناق الاقتصادي على كوريا الشمالية، من أجل إلزامها بالتخلي عن جميع أسلحتها النووية.
من الطبيعي أن يلتقي قادة قوى كبرى بهدف تطوير علاقات ودية، بشرط أن يضعوا في أذهانهم المقولة الشهيرة القائلة: إن القوى الكبرى ليست لديها صداقات دائمة، وإنما مصالح دائمة.
والعلاقات الشخصية الودية بين القادة قد تكون مهمة، ولكن المصالح الوطنية تبقى دائماً فوق الصداقة، في تحديد أهداف السياسة الخارجية للدول. ولهذا لم يكن مما يدعو للدهشة أن محادثات ترامب وشي، لم تؤد إلى أي تقدم حول المسألة الكورية الشمالية.
وقد كانت بكين محطة ضمن جولة آسيوية قام بها ترامب، وكرر خلالها وصف كوريا الشمالية بأنها «محور شر». وحذر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، من أن الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية كاسحة وهي مستعدة لاستخدامها. ودعا ترامب بيونج يانج إلى «المجيء إلى طاولة المفاوضات»، من أجل حل الأزمة سلمياً، وقال إنه يرغب في إقامة صداقة مع كيم.
ولكن ترامب يعمل على أساس فرضيتين خاطئتين، هما أن كوريا الشمالية يمكن إرغامها على التخلي عن جميع أسلحتها النووية، وأن الصين هي القادرة على إرغام بيونج يانج على أن تفعل ذلك.
ولكن قادة الصين ليست لديهم أي مصلحة في أن يفعلوا أي شيء، يمكن أن يؤدي إلى انهيار كوريا الشمالية. فإذا ما سقط نظام بيونج يانج، فإن شبه الجزيرة الكورية ستتوحد، ما يضع القوات الأمريكية على أبواب الصين، التي ستفعل كل ما باستطاعتها بما في ذلك الدفاع عن كوريا الشمالية في حال تعرضها لهجوم أمريكي من أجل منع حدوث ذلك.
وفي الواقع، الولايات المتحدة وليس الصين هي التي تمتلك مفتاح حل الأزمة من دون حرب، ولكن حل المسألة الكورية من دون حرب يقتضي من الولايات المتحدة أن تهدئ دواعي قلق الصين وكوريا الشمالية. وهذا يستلزم تغييراً جذرياً في السياسة الأمريكية: سحب القوات الأمريكية من شبه الجزيرة الكورية، وهذا سيزيل إلى حد بعيد إحساس الصين وكوريا الشمالية بعدم الأمن، ويغيّر كلياً معطيات الأزمة.
وعندئذ ستكون بكين قادرة على ممارسة ضغط قوي على كوريا الشمالية؛ لكي تتوصل إلى تسوية دبلوماسية من دون أن تخشى انعكاسات استراتيجية سلبية على أمنها.
ومن جهتها، إذا لم تعد كوريا الشمالية تشعر أنها مهددة بلجوء الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية، فعندئذ سيكون لديها حافز خصوصاً إذا حصلت على منافع اقتصادية من أجل الحد من برنامجها النووي والصاروخي.
وعندما التقى ترامب وشي في بكين، كان هناك واقع بديهي؛ ميزان القوة بين الولايات المتحدة والصين أخذ يتغير. ففي السنوات الثماني الأخيرة، أصبحت الصين الدولة التجارية التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً، من حيث الصادرات. وفي 2014 أعلن صندوق النقد الدولي عن أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة، لتصبح أكبر اقتصاد في العالم.
وفي أروقة السلطة والدوائر السياسية في واشنطن، يسود اقتناع بأنه مهما تقدمت الصين اقتصادياً وعلمياً، فإن القوة العسكرية الأمريكية ستبقى متفوقة، ولكن بعض المحللين العسكريين الأمريكيين أخذوا يشككون في ذلك.
وفي الواقع، العالم يشهد اليوم حدثاً تاريخياً حقيقياً، هو ما يسميه الباحثون بتحول ميزان القوة. ومثل هذا التحول يحدث عندما تتحدى قوة كبرى صاعدة، القوة الكبرى المهيمنة. والعلاقة الأمريكية الصينية اليوم، هي مثال نموذجي على تحول ميزان القوة العالمي.
إن المسألة الجيوسياسية في زمننا الراهن، هي ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحاول الاحتفاظ بتوازن قوة في شرقي آسيا، لم يعد يتطابق مع وقائع العلاقة الأمريكية الصينية. وتجنب اصطدام أمريكي صيني في السنوات المقبلة، سيقتضي من صانعي السياسة الأمريكيين، أن يكون تفكيرهم الاستراتيجي على المدى البعيد خلاقاً وحكيماً.

*بروفسور العلاقات الدولية في جامعة تكساس إيه آند أم في الولايات المتحدة
موقع: ذي أمريكان كونسرفاتيف


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى