قضايا ودراسات

أنجيلا ميركل.. مواقف متغيرة

ستيفان كوليغنون*

في غضون حكمها على مدى 12 عاماً، كانت أنجيلا ميركل تغيّر مواقفها بالسهولة التي تغيّر بها شركاءها في التحالف؛ كانت تسير مع التيّار وقد فقد حزبها هويته المحافظة، كما يقول الباحث، ستيفان كوليغنون.
جاء فشل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تشكيل حكومة بعد الانتخابات قبل شهر، صدمة لكثير من المراقبين. ما الذي حدث ل«زعيمة العالم الغربي»؟ وهل سلطة ألمانيا في «طريقها إلى الخروج»؟ هذا التصوّر خاطئ. لم تكن ميركل في يوم من الأيام بالقوة والنجاح اللذين ادُّعِيا، وليست ألمانيا في أزمة سياسية.
ربما كانت ميركل أقلّ زعماء ألمانيا فاعلية منذ المستشار كورْت جورج كيسنجر غير المحظوظ في أواخر ستينات القرن الماضي. وإذ وُلدتْ في ألمانيا الشرقية، كانت غرائزها قومية، وكانت تفتقر إلى التنشئة الاجتماعية الغربية التي نشأ بها جيلها في الجمهورية الاتحادية. ولم يكن لديها رؤية كبيرة لألمانيا أو أوروبا. وفي غضون حكمها على مدى 12 عاماً، كانت تغيّر مواقفها بالسهولة التي تغيّر بها شركاءها في التحالف؛ كانت تسير مع التيّار وقد فقد حزبها هويته المحافظة.
إنّ أهمّ مَواطِن قوة ميركل، هو ذكاؤها الحاد، الذي يجعلها سريعة التعلم. وتجلّى ذلك بوضوح أثناء إدارتها الكارثية لأزمة اليورو. فقد زعزعتْ مقاومتها المبكرة لإنقاذ اليونان الأسواق المالية في أوروبا، وحوّلت ألمانيا إلى ملاذ آمن مفترَض. ولكن عندما كانت منطقة اليورو قريبة من الانهيار، تركت رئيسَ البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، «يفعل كل ما يمكن فعله لإنقاذ اليورو».
وعلى الصعيد المحلي، وَلّدتْ ما لا يمكن تصوّره: حزباً معادياً لأوروبا، معادياً للأجانب، دخل البرلمان إلى اليمين من حزبها «الاتحاد الديمقراطي المسيحي». وسياسة الأذرع المفتوحة للاجئين التي اتبعتها، تستحق الثناء الأخلاقي، ولكن دمج أكثر من مليون لاجئ، أوصل التسامح الألماني منتهاه.
وكان لغياب الحكومة القوية، عواقب مثيرة للإعجاب: فقد نعم المجتمع الألماني، بهدوء وتوازن بين الانفتاح والتسامح، مستقر بشكل مذهل. ولكن التغيّر كان يمور تحت السطح. وقد غدت خطابات اليمين مقبولة مرة أخرى؛ وازداد الفقر. وعلى الرغم من العمالة الكاملة والميزانية المتوازنة، فإن البُنى التحتية العامة تتصدّع.
ما السبيل إلى مُضّي ألمانيا قُدُماً؟ سيكون أسوأ الحلول، إقامة ائتلاف كبير آخر بين ميركل والديمقراطيين الاشتراكيين. فمِن شأن ذلك أن يُديم الجمود، ويُخدّر الصراع السياسي ويفتح الطريق إلى النموذج النمساوي، المتمثل في الهيمنة الشعبوية على السلطة. ولا يمكن أن يكون ذلك في مصلحة ألمانيا، ولا أوروبا ولا العالم. إن ألمانيا في حاجة إلى معارضة قوية ومستقطِبة.
كما أن إجراء انتخابات جديدة، ليس حلاًّ واعداً، لأنّ مِن غير الواضح، كيف سيستجيب الناخبون للتشاحن السياسي بين الأحزاب، التي فشلت في تشكيل حكومة. ولن يكون هنالك ما هو أسوأ من برلمان جديد مع مأزق مماثل.
وهذا يدع الإمكانية قائمة لحكومةِ أقلية تشكلها ميركل، ربما بالتحالف مع حزب «الخُضر». وسوف يعزز إشراك هذا الحزب، إرادة ألمانيا لإصلاح الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه. وسوف تسعى هذه الحكومة إلى نيل دعم الأحزاب الأخرى في القضايا واحدة واحدة. وهذا هو ما يجعل افتقار ميركل إلى الحزم القائم على المبادئ، مصدراً لقوتها. كما أنه سيعيد السلطة إلى البوندستاغ (البرلمان)، حيث عاش البرلمان الألماني طويلاً جدّاً في ظل «الائتلافات الكبرى». وسيكون ذلك جيداً لأوروبا وللديمقراطية الألمانية.

*أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية سانت آنا للدراسات المتقدمة، في مدينة بيزا الإيطالية. موقع: «سوشيال يوروب»


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى