غير مصنفة

انتفاضة في ذكرى انتفاضة

مفتاح شعيب

يوم الثامن من ديسمبر 2017، كان يوماً فلسطينياً مشهوداً عندما هبت جماهير الأرض المحتلة مسنودة بغضب عربي وإسلامي واسع انتصاراً لمدينة القدس المحتلة رداً على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قرر الاعتراف بها من جانب واحد عاصمة لـ «إسرائيل»، وهي خطوة لم تكن حكيمة بالمرة، وسعت إلى إعادة فلسطين والمنطقة إلى دائرة التوتر.
مشاهد الفلسطينيين وهم يواجهون قوات الاحتلال بصدور عارية، كأنها هي المشاهد نفسها التي اندلعت في الثامن من ديسمبر 1987 واستمرت لنحو ست سنوات تحت عنوان انتفاضة الحجارة، مع تسجيل أن الغضبة الجديدة أكثر شدة من سابقاتها لأن أسبابها أقوى وأكثر إيلاماً وإثارة للغضب. لقد اندلعت انتفاضة الحجارة بسبب إقدام شاحنة «إسرائيلية» في أسدود على دهس سيارة يركبها عمال فلسطينيون من جباليا ليستشهد أربعة من ركابها ليكونوا صاعق تفجير لمواجهات امتدت سنوات وكلفت نحو 1300 شهيد، أما الغضبة الجديدة، فاندلعت بعدما حاولت الولايات المتحدة «دهس» تاريخ القدس الشريف عبر تقديمها إلى «إسرائيل» عاصمة تأخذها بلا عناء. وقد وقع هذا الإجراء كالصاعقة على الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين لأنه مظلمة تاريخية جديدة تأتي من دولة تدعي أنها «راعية السلام»، بينما يتضح أنها لا ترعى غير «إسرائيل» ومشروعها التدميري في المنطقة، وبذلك تفقد مصداقيتها وتخسر من حيث لا تحتسب مصالحها. فبعد هذه الصفعة من حق الفلسطينيين أن يواجهوا هذه الإهانة بكل ما يمتلكون من أسباب المقاومة، ويبدو أن الموقف العربي والإسلامي والدولي الحاسم سيكون إلى جانبهم، ولن يخذلهم على الأرجح، لأن القرار الأمريكي غير المدروس اعتدى على ثالث أقدس مدينة لدى المسلمين بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة.
قرار ترامب ليس السبب الوحيد الذي يدفع الفلسطينيين والعرب إلى الغضب، ولكنه النقطة التي أفاضت كأس الصبر، فطوال السنوات الماضية تمادت «إسرائيل» في التنكيل بالشعب الفلسطيني وتدنيس مقدساته الدينية والوطنية. وحين قال الرئيس الأمريكي إنه تأخر كثيراً في اتخاذ قراره، فهو يقصد أثناء «هبة الأقصى» الصيف الماضي حين عملت قوات الاحتلال على نصب كاميرات على مداخل المسجد الأقصى تمهيداً لخطفه وتهويده، وقد كان الشعب الفلسطيني بالمرصاد فتصدى بكل قواه مدعوماً بمواقف عربية وإسلامية لم تساوم، وكذلك أحبطت الخطة الخبيثة واضطر ترامب، ربما، إلى تأخير قراره نحو نصف عام.
الآن، أصبحت القدس على كل لسان، وأصبح القرار الأمريكي محل رفض وإدانة واستنكار من كل القوى الفاعلة في العالم، فقد بدت السفيرة الأمريكية في مجلس الأمن نيكي هايلي معزولة، ولم تجد ما تبرر به أمام نظرائها. ومازالت التداعيات مستمرة، وإذا لم تتدارك الولايات المتحدة موقفها، فقد تجد نفسها معزولة في العالم الإسلامي، وتفقد ما بنته من تحالفات وصداقات طوال عقود من الزمن. وقد كان للموقف المشرف الذي اتخذه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب برفض استقبال نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس وحثه الفلسطينيين على الانتفاض ومواجهة المخطط، بالغ الأثر، إذ سرعان ما استدرج هذا الموقف التاريخي مواقف أخرى منها إعلان بابا الأقباط في مصر تواضروس الثاني رفض لقاء بنس، بينما كررت السلطة الفلسطينية تصميمها على مقاطعة الإدارة الأمريكية، وربما الذهاب إلى أبعد من ذلك بالبحث عن راع جديد لعملية «السلام»، لأن الولايات المتحدة فقدت هذه الصفة، بقرارها الأخير لم يعد 99 في المئة من أوراق حل القضية الفلسطينية في واشنطن.

chouaibmeftah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى