غير مصنفة

الغضب وحده لا يكفي

يونس السيد

فورة الغضب والمواجهات والتظاهرات التي اجتاحت فلسطين وأنحاء واسعة من العالمين العربي والإسلامي احتجاجاً على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل» والإيعاز بنقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إليها، لم تعد كافية، على أهمية هذه الاحتجاجات، بعد أن تغيرت قواعد اللعبة التي تسيّدت العقود الماضية والتي أطاح بها ترامب بجرة قلم.
ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية الحاضرة، حتى الآن، مهمة في قياس حجم الرد على خطوة من هذا النوع أحدثت زلزالاً في المنطقة والعالم، لكنها لم تغب عن خطط البيت الأبيض، الذي قرأ الواقع الفلسطيني والإقليمي والدولي جيداً قبل الإقدام على هذه الخطوة المحسوبة، واستعد لها بضبط الإيقاع على المستوى الرسمي، تاركاً للشارع حرية التنفيس عن غضبة مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل إذا خرجت الأمور عن سياقها، لكن الأكثر خطورة تكمن فيما هو قادم، إذ بات معروفاً أن القرار الأمريكي ليس معزولاً عما سبقه وما سيلحقه، وأصبحت المخاوف تتركز على قرارات أخرى صادمة قبل أن يستفيق الجميع من هول الصدمة الأولى.
والحديث هنا يدور عن إفصاح إدارة ترامب بأنها ستقدم ما يرضي الفلسطينيين عبر «صفقة القرن» القادمة في الطريق، ومحاولة التخفيف من وقع الصدمة الأولى بالقول إن الوضع النهائي للقدس يتقرر على طاولة المفاوضات. ولكن عن أي صفقة وأي مفاوضات تتحدث إدارة ترامب بعد أن أخرجت نفسها من رعاية عملية التسوية، وبعدما فقدت دور الوسيط النزيه، وهي لم تكن نزيهة، على أية حال، طوال السنوات الماضية. ما لم تدركه إدارة ترامب أنها استهدفت القلب النابض لمليار ونصف المليار عربي ومسلم، وأن أي حديث عن صفقات أو تسويات لم يعد له مكان قبل التراجع عن هذا القرار حتى لو جرت السلطة الفلسطينية جراً إلى طاولة التفاوض.
الفلسطينيون يدركون جيداً ما عليهم أن يفعلوه، بعد أن عاد الصراع إلى مربعه الأول، وواهم من يعتقد أن الفلسطينيين سيكتفون بالتظاهرات والاحتجاجات للتعبير عن غضبهم، ولكنهم بحاجة إلى لملمة صفوفهم وإعادة ترتيب بيتهم، فيما السلطة التي تركتها إدارة ترامب لإدارة هذا الغضب الشعبي، لم تعد قادرة على ذلك، تماماً كما لم يعد بإمكانها رفع الشكوى ضد أي اعتداء «إسرائيلي» للولايات المتحدة.
قواعد اللعبة تغيرت فعلاً، والرد على خطوة ترامب لم يعد فلسطينياً فحسب، وإنما هو مسؤولية جماعية، عربية وإسلامية أيضاً، وسواء رضخت واشنطن أم لا، فإن ذلك لا يمنع من القول إن هناك حراكاً جديداً واصطفافات جديدة في الأفق.

younis898@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى