غير مصنفة

رئة القصيدة

محمد عبدالله البريكي

القدس رئة القصيدة العربية ولها دور في بقاء هذه القضية حية، فماؤها كان، ولا يزال يسقي الأرواح المتعطشة للخلود، وعلى الرغم من أن نفخ رماد الفتنة يقل ويخمد في بعض الفترات إلا أن نار الشعر تظل تشتعل وتتواصل، وغيمته تفيض بأبيات كثيرة تهتز لها أرض الإنسانية فتتفرع أغصاناً وتنبث ثمراً طيباً تتغذى عليه الهمم العالية وتعيش به النفوس الحية، فالقصيدة المتجذرة في الأرض لا تموت.
القدس قضية أزلية في الشعر، وهي حديقة الشعراء الذين يأخذون مما فيها من لونٍ وعطرٍ واخضرارٍ ليوظفوه في قصائدهم، وقد سجل الشعراء قصائد لا حصر لها عن القدس وتغنوا بها في الملمات جرحاً نازفاً وضميراً مطعوناً وحلماً راجفاً، فلم تزل هي أم المدائن كلها، وينظر إليها المسلمون على أنها المكان المقدس الذي تفوح منه رائحة الأنبياء، ومنذ نكبة فلسطين والشعر العربي يتدفق ويجري مثل الأنهار بكاء على المجد الديني والرمز المقدس الذي دنسه اليهود واختلقوا الروايات لتهويد القدس وتغيير وجه المدينة، لكن تظل القدس رغم كل الادعاءات الباطلة هي رمز لا مثيل له في التاريخ القديم والحديث، ووجه الشعر الناظر حتى ولو زعم اليهود أن لهم الحق فيها فإن المسيحيين أيضاً يرون في مدينة القدس وجهتهم الأثيرة إذ يقصدونها بغرض الحجيج، فمن يقدر أن يهوّد القدس ويطمس معالمها الدينية التي تمثل للإسلام والمسيحية واليهودية الحياة الدينية الرحبة، والمتسع الذي تلتقط فيه النفس شفافيتها وعدولها عن واقع الدنيا المأساوي، ورغم كل المحن التي تطل علينا عمداً في التاريخ القديم والحديث لمدينة القدس فإن الرمز لن يسقط، والشعر سيمارس دوره في إعلان كلمته الرافضة على أجنحة الحلم والخيال واستعمال الكلمة كسلاح أقوى من المدفع والرشاش والقرارات السياسية فالكلمة هي وقود للخير ودافع لمواجهة قوى الشر والتطرف والعدوان وقد سطر الشعراء ملاحم شعرية تفوق الوصف وتعبر الحق، القدس هي تلك العروس التي تتنافس عليها مشاعر الشعراء، وتتغنى بها القصيدة، وتعيشها الروح لأنها البذرة التي نمت وترعرعت منذ النشأة في قلوب البراءة وأوردة الطفولة، ولذلك فلا غرابة في أن تجد جذوة القضية مشتعلة في النفوس، فإذا ما هبت رياح على هذه المدينة محاولة المساس بشجر الحياة فإن نار الأرض تشتعل لتمنح الأجيال طاقة عجيبة ترى من خلالها الشرر يتطاير والهمم تحترق على الطرقات متبوعة بصرخة الضمير الحية في وجه كل من يجرؤ على قداسة هذه الأرض التي عليها ما يستحق الحياة كما باحت بهذا أغاني محمود درويش الذي يراها الحياة الخالدة في الوجدان العربي وهو يقول: على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ، على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة.
وكما قال تميم البرغوثي الذي اختصر تاريخ القدس في قصيدته التي ظللت الوجود العربي وحركت المشاعر وأختار منها هذه الأبيات: في القدس السماءُ تَفَرَّقَتْ في الناسِ تحمينا ونحميها ونحملُها على أكتافِنا حَمْلاً إذا جَارَت على أقمارِها الأزمانْ، في القدس أعمدةُ الرُّخامِ الداكناتُ كأنَّ تعريقَ الرُّخامِ دخانْ، ونوافذٌ تعلو المساجدَ والكنائس أَمْسَكَتْ بيدِ الصُّباحِ تُرِيهِ كيفَ النقشُ بالألوانِ، وَهْوَ يقول: «لا بل هكذا»، فَتَقُولُ: «لا بل هكذا»، حتى إذا طال الخلافُ تقاسما فالصبحُ حُرٌّ خارجَ العَتَبَاتِ لَكِنْ إن أرادَ دخولَها فَعَلَيهِ أن يَرْضَى بحُكْمِ نوافذِ الرَّحمنْ.
والشاعر محمود حسن إسماعيل يقول عن القدس في قصيدة بثها إلى ضمير الإنسانية وهي ترى هذا التآمر البغيض على القدس: صوتٌ بأرض القدس مشتعل الصدى/ كادت له الأكباد أن تتوقّدَا/ لمّا تأوّهَ صارخًا بين الورى/ أسيان يرزمُ تحت نيران العدا/ جزع المسيح له ولولا طهرهُ/ ما مدّ للرحمات كفًّا أو يَدا.
وفي خضم غليان المشاعر حرقة على الأرض تجد الشعوب تخرج بشجاعة لا تخاف من الموت من أجل هذه الفاتنة معشوقتهم الخالدة ولسان حالها وهي في خط المواجهة يقول كما قال سميح القاسم: أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك.
القدس هي الحكاية التي لا ينفصل الشعر عنها ولا تستطيع الذائقة العربية أن تنسلخ عن جذورها في كل المحن لأنها مهما طال الزمن فلن تكون سوى عربية، وما من شك في أن الكلمات لا تستطيع أن تخفف معاناة هذه الأرض المثقلة بالهموم ولا تقدر الحروف على معالجة جراحها وجبر كسرها، لكن القصيدة تبقي النفوس حية وتكون باروداً ليوم تمتلك فيه الأمة المؤهلات الروحية والمادية لتنهض كالعنقاء من تحت الرماد وتعلن عن حياة جديدة تكون فيها القدس محور التقاء ورياض محبة للإنسانية، وتعود إليها كل الطيور المهاجرة التي عانت الشتات والتشظي بين المدن والانكسار بعيداً عن تراب الوطن.

hala_2223@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى