غير مصنفة

في مصر عادت السياسة الخارجية تتصدر الاهتمامات

جميل مطر

تطور لا تخطئه عين مدرّبة أو أذن مجرّبة أو عقل يراقب، وهو أن في مصر فورة اهتمام بالشأن الخارجي. هناك من يحذّر. هناك أيضاً من يشجع ويؤيد، وهناك من يعيد إلى الأذهان ذكرى التجارب الأليمة نتيجة استغراق أو إهمال في ممارسة سياسة خارجية نشطة تشحن التردد والحذر، وذكرى الانتصارات المجيدة التي تحققت بفضل انتهاج سياسات خارجية معينة، حرّكت حماسة كثيرين ودفعتهم للمطالبة باهتمام أوسع وأعمق بالسياسة الخارجية.
كان توجهاً منطقياً وعاطفياً من جانب النظام الجديد في مصر أن يقرر أهمية استعادة بعض ما كان لمصر من مكانة في الخارج. هذا التوجّه افترض مسبقاً ضرورة توافر حد أدنى من كل شرط من شروط خمسة افترض وجودها. افترض أولاً وجود قدرة عسكرية مناسبة، وهي القدرة التي تأثرت سلباً أيما تأثير خلال سنوات حكم الرئيسين السادات ومبارك. أسباب انحسارها معروفة أكاديمياً ولدى المسؤولين عن تطوير هذه القدرة، وأتصور أن الحرص باد الآن للتخلص بسرعة من بعض هذه الأسباب. افترض ثانياً تحقيق مستوى معقول من الاستقرار السياسي الداخلي، وهو الاستقرار الذي تعرّض لدرجة قصوى من الاختلال أثناء جهود حرف ثورة يناير عن أهدافها المتواضعة ومسيراتها السلمية. هنا، كما في الشرط الأول، كانت التكلفة هائلة في البحث عن مصادر للتمويل في مخزون العلاقات الخارجية. افترض ثالثاً وجود نخبة دبلوماسية بعقل مرتب وذاكرة جمعية وفردية قوية، هذه تعرّضت بدورها خلال فترة غير قصيرة للإنهاك بسبب التراخي وضعف الدور وندرة القضايا والمشاكل المطروحة طوعاً على العقل الاستخباراتي والدبلوماسي والإعلامي المصري والانسحاب من كثير من مواقع الاشتباك الدبلوماسي. افترض رابعاً توافر قسط مناسب من القدرة التمويلية الضرورية للإنفاق على دعم القدرات الدفاعية، وإقامة مواقع للنفوذ الخارجي وصيانة القائم منها، هذا الشرط لم يكن متوفراً من أساسه، الأمر الذي فرض اللجوء إلى أرصدة استراتيجية، مثل المبادئ والقيم الأخلاقية، فاستنزف جزءاً منها. افترض خامساً وجود حد أدنى معلن وواضح من التزام معظم أو كل الدول العربية الهوية العربية، هوية لها الأولوية على ما عداها من هويات فوق قطرية أو تحت قطرية. كان مفاجئاً على الأقل للمخضرمين في نخبة السياسة الخارجية مدى الانفراط الذي أصاب المؤسسة القومية العربية، ممثلة في إحدى أهم صورها في جامعة الدول العربية بشكل خاص والعمل العربي المشترك بشكل عام. لا شك أن دقة وضع الشروط الخمسة جعل إشباع الرغبة العارمة نحو استعادة بعض ما كان لمصر من مكانة إقليمية ودولية عملية باهظة التكلفة مادياً ومعنوياً.
لم تقتصر صعوبات استعادة كل أو بعض مكانة مصر في العالم الخارجي على عدم التوافر الأمثل أو حتى المناسب للشروط اللازمة، بل تعدّتها إلى صعوبات استجدت خلال تنفيذ جهود الاستعادة. أذكر فقط على سبيل المثال ما اعتبرته أنا شخصياً من قبيل التشفي، «حسن النية المبرر حيناً والشرير وغير المبرر حيناً آخر»، في حال الأوضاع المحلية المتردية في مصر. كنت شاهداً خلال انكشاف وضع الأزمة المالية في أعقاب حرب 1973 على مواقف مشينة من جانب دول إقليمية، حاول مسؤولون فيها الحط من قيمة مصر، بل فرض الوصاية المالية عليها بذريعة الخوف من تبديد حكومة مصر للمعونات الخارجية. لن أقلل من آثار هذه المحاولات في السياسة الخارجية المصرية، يكفيني ذكر دورها في تشكيل البيئة الحاضنة لقرار الرحلة الشهيرة إلى القدس وقرارات خطيرة أخرى اتخذها مسؤولون مصريون في مناسبات لاحقة.
في مرة أخرى كان في إمكان الدبلوماسية المصرية التشبث بموقفها المناهض لاستعدادات أمريكا شن حرب غير مبررة ضد العراق. كانت الدبلوماسية المصرية على حق وربما لو أخذت القيادة السياسية برأي الدبلوماسية وحثت مختلف الدول الإقليمية على التغاضي عن خلافاتها مع الرئيس صدام، لتردد المحافظون الجدد ولاستمع الرئيس جورج بوش إلى صوت العقل، وتخلى عن أحد أخطر المخربين من حلفائه، وأقصد طوني بلير، رئيس حكومة العمال في المملكة المتحدة في ذلك الوقت. كانت الخارجية المصرية على حق، ولكن كان صوتها خافتاً ومهذباً وسط أصوات طبول الحرب.
في أعقاب صعود رئيس جديد إلى السلطة في مصر وهزيمة ما كان يسمى بمراكز القوى في مصر، بدأت ضغوط هادئة مالية ودبلوماسية واستخباراتية عربية، وانتهت حملة وخطة محكمة فور انتهاء معارك حرب 1973. كان الهدف إجراء تحوّل جوهري في مسيرة البلاد نحو خط سياسي داخلي وخارجي، يعتمد التطرف الديني منهاجاً وأيديولوجية وأداة دبلوماسية، وتوجه عام في السياسة الخارجية المصرية خاصة في إفريقيا. كانت الذريعة الشكلية إرضاء أمريكا بانتهاج سياسة خارجية مصرية تطارد الشيوعيين والاتحاد السوفييتي في إفريقيا، خاصة في شرق القارة. انتهى الأمر بهيمنة تيار ديني متطرف على الداخل المصري بأكمله، مصر تدفع الآن باهظاً وبعنف شديد ثمن تجاهل التحذيرات الدبلوماسية المتكررة في ذلك الحين.
لن تعود مكانة مصر بثمن بسيط، ولن تعود أصلاً إلا إذا تكاتفت كل القوى التي تتشكل منها بنية السياسة الخارجية. لن تعود إلا إذا نجح الإعلام الناضج في استنهاض الرأي العام المصري، ليشارك ببصمته المختلفة نوعاً وبالضرورة، في صنع مستقبل الإقليم.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى