غير مصنفة

النظام العربي وتحولات القوة

د. ناجى صادق شراب

ارتبط النظام الإقليمي العربي نشأة وتطوراً بتحولات القوة على المستويين الإقليمي المجاور والدولي، لما للمنطقة من أهمية استراتيجية واقتصادية كبرى في تحديد مسارات القوة الدولية، فالمنطقة العربية منطقة استهداف، وتنافس وتصارع بين القوى الطامحة للسيطرة على المنطقة، والارتقاء في سلم القوة الدولية، ولهذا تكالبت على المنطقة العديد من المشاريع الإقصائية للمشروع العروبي، وتسارعت هذه المشاريع بعد ما يسمى «الربيع العربي»، وقد ارتبطت هذه المشاريع بعد الغزو العراقي للكويت وما ترتب عليه من تفكك للدولة العراقية وتبدل مكونات الأمن القومي العربي، لتبرز مخاطر وتهديدات جديدة، ودخلت المنطقة ما عرف بـ«الفوضى الخلاقة» التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، ولتنتقل إلى حالة من الفوضى الكاملة في إدارة الرئيس أوباما، وبروز دور القوى والفواعل من غير الدول كالحركات الإرهابية، وتطويق المنطقة بالعديد من المشاريع المتنافسة والمتصارعة مع بعضها من ناحية، ومع المشروع العربي من ناحية أخرى، مثل، المشروع «الإسرائيلي» والمشروع الإيراني، والمشروع التركي، والمشروع الكردي، وكل هذه المشاريع مجالها الحيوي المنطقة العربية، بعضها ينطلق من قلب المنطقة كالكردي و«الإسرائيلي»، وبعضها مجاور للإقليم الجغرافي العربي.
وتقف وراء هذه المشاريع قوى ودول بعضها يهدف لتغيير المنطقة وإعادة رسم خرائطها السياسية على أسس مذهبية وإثنية وعرقية، وخطورة هذه الدول في ارتباطها بالقوى الإقليمية والدولية. وفي مقابل هذه الدول والقوى توجد القوى التي تعمل لحماية النظام العربي والتصدي للمشاريع الأجنبية مثل السعودية ومصر والإمارات، ويمكن أن تشكل هذه الدول في المستقبل نواة لمنظومة إقليمية عربية جديدة. وتبقى أخيراً مجموعة الدول التي تعاني الصراع والحروب الداخلية كاليمن وليبيا، وسوريا والعراق.
ولا شك في أن مستقبل المنطقة العربية وما تبقى من المشروع العروبي يواجه تحدياً فعلياً جراء المحددات الداخلية التي تمر بها المنطقة: الحروب الداخلية، التراجع في عناصر القوة، الفراغ القيادي، الأزمات العربية-العربية كالأزمة القطرية -الخليجية، وارتباط قطر بالمشاريع الخارجية الإيرانية والتركية. والمحددات الإقليمية والتي تتمثل في صعود نوعين من القوى مثل إيران وتركيا على حساب تراجع القوة العربية، وبروز دور الفواعل من غير الدول وخطورتها لارتباط العديد منها بالمشاريع الخارجية. والمحددات الدولية وتتمثل في صعود دور قوة روسيا والصين والهند، وعدم وضوح في حدود السياسة والدور الأمريكي الذي يفسح تراجعه لمزيد من تغلغل القوى الأخرى.
ويترتب على تفاعل هذه المحددات والعلاقات التصادمية والتعاونية بين قواها على أكثر من سيناريو أو تصور: الأول سيناريو تراجع الدور الأمريكي وإنهاء السطوة الأمريكية المطلقة على المنطقة، وهذا السيناريو احتمالاته ضعيفة نظراً لأهمية المنطقة الاستراتيجية في الاستراتيجية الأمريكية العليا، ومن ثم قد يبرز سيناريو إعادة الدور الأمريكي عبر شبكة جديدة من التحالفات الجديدة مع دول المنطقة. أما السيناريو الثالث وهو سيناريو بروز دور القوة أو القوى البديلة مثل روسيا وإيران وتركيا، وهذا السيناريو فعلاً بدأت ملامحه تظهر على الأرض. ولهذه القوى تواجد مباشر على الأرض العربية كالقاعدتين الروسيتين في سوريا والقاعدة التركية في قطر، والوجود الإيراني في العراق واليمن. ويبقى السيناريو العربي الأساس الذي يقوم على إحياء الدور العربي، وتفعيل دور الجامعة العربية، ومحور هذا السيناريو يتمثل بالتكامل بين الدورين السعودي والمصري، والمدعوم والمساند من دول أخرى في طليعتها الإمارات والكويت، والأردن. ويمكن أن يتطور هذا السيناريو ليفرز نظاماً أمنياً فاعلاً، قادراً على التصدي للمشاريع الإقليمية والدولية الساعية للسيطرة على المنطقة وتقسيمها وتفكيكها سياسياً، لتفرز خريطة سياسية تتوافق مع مصالحها على حساب المصلحة العربية.
لم يبق أمام الدول العربية من خيارات كبيرة للمناورة. لقد جاء قرار الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» ليدخل المنطقة في مرحلة سياسية جديدة قد يصعب التحكم في تداعياتها، ولتفرض على الدول العربية التفكير الجدي فى إحياء نظامها العربي، وإعادة صياغة تحالفاتها في زمن تتكالب التحالفات المعادية من حولها.

drnagish@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى