قضايا ودراسات

أمريكا تصارع روسيا في البلقان

بيتر كورزون*

كان أوتو فان بيسمارك، المستشار الأسطوري الأول لألمانيا الموحدة ( في القرن التاسع عشر ) يسخر من فكرة التدخل في منطقة البلقان التي اعتبر أنها «لا تستحق خسارة حتى قنبلة يدوية واحدة».
اليوم، يبدو أن الولايات المتحدة تتبنّى موقفاً مختلفاً تماماً في البلقان. فمع عودة صعود روسيا على المسرح الدولي، تخطط واشنطن لتكثيف محاولاتها الرامية إلى فرض هيمنتها في منطقة البلقان.
وتشعر روسيا بالقلق إزاء محاولات واشنطن تعزيز نفوذها في سياسات دول البلقان وجرّها إلى حلف الأطلسي. وقال أندري كيلين، مدير دائرة التعاون الأوروبي في وزارة الخارجية الروسية، إن «الولايات المتحدة تريد إخضاع غرب البلقان، ثم، بعد (جمهورية) مونتينيغرو، جر بلدان أخرى أيضاً إلى فلكها».
وجاء بيان كيلين بعد أن نشر مجلس الأطلسي (مركز دراسات أمريكي نافذ في واشنطن) تقريراً في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني بعنوان، «البلقان: استراتيجية أمريكية جديدة للمنطقة»، وحذّر فيه من نفوذ روسيا، وانتقد ما اعتبره «محاولات روسيا لاستغلال مشكلات المنطقة من أجل تقويض المشروع الأوروبي». وادّعى واضعو التقرير أن روسيا تسعى إلى « بسط نفوذها من خلال نشر الفوضى» في البلقان.
والحقيقة هي أن (البعبع) الروسي يستخدم كذريعة لتبرير الدعوات إلى وجود عسكري أمريكي دائم في المنطقة والى «تقارب تاريخي» بين الولايات المتحدة وصربيا.
ويعتقد واضعو التقرير أن وجوداً عسكرياً أمريكياً دائماً في منطقة البلقان «سوف يرسّخ قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأحداث» هناك.
جدير بالذكر أن مجلس الأطلسي، هو منتدى للقاء رؤساء دول، وقادة عسكريين، وقادة دوليين من على جانبي الأطلسي. وهو يتمتع بنفوذ كبير في عملية صنع قرارات السياسة الخارجية الأمريكية. ويبدو أن دعواته وتوصياته لبسط النفوذ الأمريكي في البلقان لقيت آذاناً صاغية وقبولاً. ومن المقرر أن يتولّى هويت برايان يي، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي، قريباً منصب السفير الأمريكي لدى مقدونيا.
وقد قال خلال مؤتمر نظّمه مجلس الأطلسي في واشنطن في اليوم التالي لنشر التقرير: «منذ زمن طويل والولايات المتحدة موجودة في غربي البلقان، ونحن نعتزم البقاء هناك».
ومن جهته، خرج جيمس جاي كارافانو، نائب رئيس «مؤسسة هيريتيج» (مركز دراسات محافظ ونافذ في واشنطن)، بخطة عرض فيها خطوطاً عريضة لتدعيم جهود الولايات المتحدة الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية من أجل إخراج روسيا من البلقان وجعل المنطقة خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة. ويعتقد كارافانو أن «البلقان يبقى نقطة ضعف في السياسة الأمريكية عبر الأطلسي. ونحن بحاجة إلى أن نكون فاعلين أكثر هناك – عاجلاً وليس آجلاً». وبعد انضمام جمهورية مونتينيغرو إلى حلف الأطلسي مؤخراً، يبدو أن جمهورية مقدونيا ستكون التالية. ويقترح تقرير مجلس الأطلسي القيام بجهود وساطة تهدف إلى إنهاء النزاع الحاد بين اليونان ومقدونيا حول اسم الأخيرة (الذي ترفضه أثينا باعتبار أنه أصلاً اسم مقاطعتها التاريخية مقدونيا – والاسم الرسمي الحالي لمقدونيا هو «جمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة»)، ما سيجعل اليونان توقف اعتراضاتها على عضوية مقدونيا في حلف الأطلسي. والحكومة المقدونية الحالية تعطي الأولوية لهذه العضوية، رغم أن الاستطلاعات تظهر معارضة شعبية لذلك.
إن كل هذه المعطيات تظهر أن الولايات المتحدة لا تعتبر البلقان منطقة تنطوي على احتمالات شراكة وتعاون اقتصادي على قدم المساواة، وإنما ميدان صراع ضد روسيا. وما تفعله الولايات المتحدة الآن هو في الواقع وضع جمهوريات البلقان أمام خيار مدمّر: إما أن تنحاز إلى الغرب، وإما أن تنحاز إلى روسيا. وهذه سياسة لا يمكن إلا أن تؤدي إلى زيادة التوترات وزعزعة الاستقرار في كلا منطقة البلقان والقارة الأوروبية. وآخر شيء تحتاج إليه هذه المنطقة هو وجود عسكري أمريكي معاد لروسيا – البلد الذي تربطه منذ زمن طويل علاقات تاريخية وثقافية بدول البلقان.

*محلل خبير في شؤون الحرب والنزاعات.
موقع «استراتيجيك كلتشر»Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى