غير مصنفة

الشعر يستعيد ذاكرته في القيروان

محمد عبدالله البريكي

لا يزال الشعر هو الوجه المضيء في عالم معتم يسرق الإنسان من روحه وكلما ازداد المشهد ‏الإنساني قتامة، ظهر الشعر في الفضاء ليغني الأمل ويحيي في النفوس قيمة الجمال ويعيد الإنسان إلى الفطرة ‏بالخيال والإحساس الجامح والتأمل في الكون بصيغ مختلفة ‏تحلق كأسراب طيور حالمة تغرد في أصوات النشاز وكل آلة تدمن التوحش.
‏في القيروان كان الشعر يغازل تلك الوجوه التي احتفظت لنفسها بروح الكلمة حيث أتاح مهرجان القيروان للشعر العربي ‏في دورته الثانية التي اختتمت فعالياتها مؤخراً لجمهوره تنشيط الدورة الدموية للشعر العربي وتنقيتها من الشوائب ‏في زمن انكسار الإنسان رغم وجود ملائكة على الأرض يبثون في الكون قيم الحق والعدل والخير والجمال، ولا يمكن وصف المشهد الشعري في هذا المهرجان ‏كونه أعاد بعض الرواد في الساحة الشعرية التونسية والعربية إلى الحياة الأدبية مثل الشاعر نور الدين صمود الذي اختير الشخصية العربية المكرمة في مهرجان الشارقة للشعر العربي الذي سينعقد في يناير المقبل، وقبله فعل بيت الشعر في الخرطوم الذي أعاد لنا محيي الدين الفاتح ليكرم في مهرجان هذا العام، ولا شك أن الغوص في تاريخ الرواد والبحث عن مآثرهم وعدم التردد في تكريمهم نواة رسختها مبادرة ألف بيت للشعر في العالم العربي التي ‏يتبناها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة إذ إن ‏الحفاوة بشعر الرواد يمثل إضافة حقيقية للمشهد الشعري للكشف عن منجزهم، ويسهم في تعريف الجيل الجديد من الشعراء بهم.
ولا شك أن مهرجان القيروان للشعر العربي ‏كشف عن مواهب تتخلق في رحم الشعر؛ إذ تحفظ آلاف الأبيات من الشعر العربي ‏ومعلقات فحول الشعراء وهو ما يربي لديهم الذائقة ويطلعهم على ‏أسرار لغتهم الخالدة ويتيح لهم الفرصة لاقتفاء أثر الشعر العربي في عصوره الذهبية مما يمنحهم صلابة وقوة ولساناً عالماً ‏باللغة ومفرداتها الرصينة، فالتأسيس أمر ضروري في اكتساب اللغة وتعلم فنون الشعر العربي، ‏واللافت في هذا المهرجان أن العديد من الشعراء المشاركين الذين أفاضوا علينا من نهر الشعر المتدفق استطاعوا أن يقدموا أشعارهم ‏في إطار التناص مع شعراء العرب المشهورين مثل أبي فراس ونزار قباني وابن رشيق القيرواني وغيرهم.
إن مهرجان القيروان يجدد ذاكرة الشعر ويشجع أهل الفن على غناء الشعر الفصيح الذي أصبح سهلاً على الذائقة ‏العربية بفضل الإنتاج الوفير والمتميز والقدرة على امتلاك فنون الشعر بصيغها اللينة ‏التي تلتحم ‏في البيئة العربية وتصور شجونها وأفراحها وأتراحها في كل الجوانب، وقد سعدت كثيراً بطفل صغير يتلو لامية العرب للشنفرى رغم صعوبتها وقد كان يتلوها حفظاً ما يجعلني ‏أكرر بأن نهر الشعر العذب قادر على أن يغسل جروحنا ويطهرنا من أدران الحياة بكل تقلباتها وانبعاثاتها الكربونية الضارة في ظل الصراع الإنساني على تدمير الذات دون هدف يصدق، فالقبح لا مكان له على خريطة الشعر، والجمال هو ‏الطائر الذي يغرد دون ملل ليوقظ الغافلين وينبه الساهين إلى أن هناك في الحياة ما يستحق، ولعل المنابر الشعرية التي أتاحتها مدينة الإبداع ‏ودرة الأدب
الشارقة حلم الشعراء أن تكون مزجت الحلم بالحقيقة ورسمت شراع الأمل في الشعر العربي وقدمت له الوصفة التي تقيه من الموت وأعادت لإيقاع الشعر توهجه، فالشارقة وهبت ‏الحياة للشعر العربي ووهبت‏ الجمال في مهرجان الشعر العربي ‏في القيروان من خلال الأصوات الشجية والوجوه اللامعة في الأدب أصحاب الثقافة العالية والتفرد في الإيقاع ‏والصورة ودهشة اللغة وعذوبة المفردات بما يهدئ قليلاً من صخب الحياة ومرارتها في الوجود العربي.

hala_2223@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى