غير مصنفة

معالج البيانات لا قرص التخزين

عبد اللطيف الزبيدي

ما معنى أن نلقي المسؤولية على ما ليس له وجود محدّد، أشباح، أو شخوص زئبقيّة؟ لقد درج القلم، وكثيرون غيره، على توجيه تهم كارثية إلى مجهول لا يمكن أن يكون له حضور واقعيّ وفعل ماديّ ملموس: النظام العربيّ، العقل العربيّ؟ نحلل للناس أوضاعاً، أبطالها وهم وخيال، كأننا في أكروبول أثينا، أمام آلهة الأولمب.
ما هي مرجعيتنا في هذه الألغاز؟ يمكن القول إننا وجدنا مفكرينا، محمد عابد الجابري ومحمد أركون وغيرهما، لهم مؤلفات يضعون فيها العقل العربيّ في قفص الاتهام، فكنّا على آثارهم سائرين، وإلاّ فمن المستبعد أن يدّعي عاقل أنه رأى عقلاً عربيّاً يفكّر نيابة عن العرب، ويمنعهم من التفكير. في الحقيقة، كان ذلك ديدن أنظمة طبائع الاستبداد. في المقابل، ندرك أن نمطيّة التربية غير المدروسة، والمناهج التي لم تعرف التطوير منذ قرون، تؤدي إلى تشكيل سلوك ذهنيّ شبه موحّد لدى الأجيال. هل يُعقل أن يكون اشتراك جلّ البلدان العربية، في نبذ التنمية والبحث العلميّ في شتى الفروع، حدث مصادفة؟ ما علّة أن المبادرات الإيجابيّة التطويريّة، لم تنبثق لدى الأبواب العالية والشعوب على حدّ سواء؟ لماذا صار العرب قمّة غير فاعلة وقاعدة مفعولاً بها؟ أليس هذا دليلاً على وجود أدمغة تعمل معاً في اتجاه سلبيّ واحد؟ يبدو أن الأرجح هو غياب دوافع الفعل وثقافته، ما جعل نصيب العالم العربيّ من الفلاسفة والمفكرين قليلاً إلى حدّ الندرة، إضافة إلى أن تلك القلّة لا أثر لها يذكر في الاجتماعيات والاقتصاديات والعلوم والسياسة والمعارف والفنون. هؤلاء لا دور لهم في توجيه الحياة العامّة. هذا دليل على دماغ عام يعمل بطرائق نمطيّة رتيبة وبأنساق شديدة التشابه.
السؤال: هل يمكن العثور على حلّ فوريّ لهذا العقل، فيصحو الناس في الغداة، ليفاجأوا بأنهم هبّوا جميعاً هبّة واحدة، فإذا هم في نعيم التنمية الشاملة يرفلون؟ نحن لا ننظر إلى أن القمع مدسوس كالسوس في المناهج العربية، التي تقوم على الحفظ، وتهدف إلى إنتاج أقراص صلبة للتخزين، لا محرّكات بحث وتحقيق وتحليل. التخزين غير مؤهل للنقد والتحليل، بالتالي يمكن أن نخزّن ما هو ضدّ ونقيض. أدمغتنا ماسحات ضوئية وناسخات، لا مراكز دراسات. المجتمعات الفاعلة موضوع بناء، وفي غياب هذا المشروع العظيم، تتكرّر الانفجارات عندما تصل الأوضاع إلى الضغط الأعلى، من دون قدرة الناس على البنيان.
لزوم ما يلزم: النتيجة المعلوماتية: العمل على تحويل قرص التخزين إلى معالج بيانات.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى