غير مصنفة

العربيّة بخير.. العرب لا

عبد اللطيف الزبيدي

في قاعة محيطيّة جلس القرفصاء أربعمئة مليون عربيّ، في انتظار كلمة تصدح بها «الضاد». الصف الأوّل خصّصوه لبضع مئات من علماء اللغة وفقهائها، واحتلّ أساتذة العربية صفوفاً يحصيها الحاسوب.تجلّت اللغة للقوم في تناغم ثمانية وعشرين صوتاً:
أيّها الحاضرون: سعيكم مشكور، وذنب تخلّفكم غير مغفور. أنتم تغرقونني بأمواج أحاديثكم الهادرة عن التحديات التي أواجهها، وهذه فرية كبرى، أنا لا أعاني عقبات غيركم في حياتي وطريقي. هل رأيتم عيوباً في تكويني، في نحوي وصرفي، في توافق مخارج أصواتي، في قدرتي على التعبير، في استيعاب الدخيل وتكييفه مع قواعدي الاشتقاقيّة، في مؤهلات التطوير؟ هل أفلحتم أنتم في مواجهة التحديات؟ هل أنا التي نشرت بينكم مئة مليون أمّيّ؟ هل أنا التي لم أطوّر مناهج التعليم، ومنعتكم من الاستثمار في البحث العلميّ فلم تنعموا بالتنمية ولم تنتجوا العلوم؟
أيّها العرب: هل تدركون حقّاً ماذا يعني التحدّي؟ إنكم لا تفهمونه على وجهه الصحيح، فالتحدّي ليس عقبة تعترض طريقك، إنه حلبة صراع. أن تتحدّى الشخص يعني أن «تباريه وتنازعه الغلبة»، هكذا علّمتُ «لسان العرب». لقد قضيتم أكثر من قرن تلهجون بمواجهة التحديات، أي أن خصومكم الطامعين في القضاء عليكم، للسطو المسلح على مقدّراتكم ومقدّساتكم، ينازلونكم بلا نزال من قِبلكم، بلا صدّ ولا ردّ ولا شدّ، ولا وضع حدّ، للجور المحتدّ، ولا استقامة قامة وقدّ، أمام العدوّ الألدّ، ولا إقامة الحدّ، على الظالم المتعدّي، ولا أبديتم عنفوان الندّ للندّ، غير التردّي، في الاستهانة بمعنى التحدّي.
أيّها القرفصائيّون: أنا المرآة الصوتيّة التي تعكس قوتكم أو ضعفكم، مدى إقدامكم أو إحجامكم في ميادين الريادة والسيادة والقيادة الحضاريّة. التحديات التي تزعمون أنني أواجهها، أنتم الذين تواجهونها بلا مواجهة، لهذا ظلت الأوضاع في انحدار على مرّ السنين. ليتكم تدركون معنى المساومة والتفاوض على المقدسات. متى كان المقدّس بضاعة تشترى وتباع وتحتمل التنزيلات والصفقات؟ ترامب يحدّد مصير القدس؟ كيف تطلبون قوّتي واقتداري، وأنتم تغادرون سوح كل فعل فعّال، حتى باتت كلماتي المتوهجة قواقع جوفاء لا سواطع ولا قواطع؟ أأنا التي عليّ أن أقيم الروادع للفجائع، والموانع للفظائع؟ أتُرى على نحوي أن يغدو المُدافع بالمَدافع؟ هل ترجون من صرفي أن يبدع البدائع؟ هل تسألون حروفي أن تشيّد البحث العلميّ وتكتشف وتخترع الروائع؟ أنا المرآة الصوتيّة للانتصارات إن قدرتم على تحقيقها، أو البقاء على هامش التاريخ إن مُنيتم به. ولله الأمر أوّلاً وآخراً.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفاؤليّة: من أراد اللحاق بالعصر، لم تفته التنمية.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى