غير مصنفة

فلسطيني و«إسرائيلي»

يوسف أبو لوز

لماذا يرفض رجل فلسطيني في نحو الأربعين من عمره بيع بيته ودكانه الواقعين قبالة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل مقابل 100 مليون دولار عرضها عليه مليونير «إسرائيلي» قبل أيام؛ بل أكثر من ذلك عرض عليه أيضاً إقامة باذخة في إحدى الدول الأوروبية.. غير أن الفلسطيني وضع يده على حجارة بيته وقال للمليونير كل فلوسك لا تساوي قيمة هذا الحجر.. والسؤال مرة ثانية من شقين.. الأول لماذا يرفض الفلسطيني هذا العرض؟ والثاني.. لماذا يدفع «الإسرائيلي» كل هذا المال مقابل بيت ودكانة قديمين؟؟
نبدأ من «الإسرائيلي».. فهو يريد أن يشتري التاريخ بحفنة كبيرة من الدولارات سواءً أكانت وسخة أو ملوثة أو خارجة للتو من مطبعة المال الأمريكي، ويريد أيضاً أن يشتري الذاكرة الفلسطينية أو يختطفها بمساومة خيالية سيما وأن عقار الفلسطيني يتصل معمارياً برمز ديني إسلامي ماثل للأبد في الوجدان الفلسطيني وهو الحرم الإبراهيمي المعادل الرمزي والروحي الآخر للمسجد الأقصى.. لكن كل مال الدنيا لا يمكن أن يشتري روحاً نابضة في المكان الفلسطيني منذ اليبوسي الكنعاني.. الجد الأول، وحتى الحفيد الذي ولد في أرض البرتقال حتى كتابة أو قراءة هذه السطور.
أيضاً.. لماذا يعرض «الإسرائيلي» أمواله بهذا الكرم الشايلوكي المغشوش؟؟ لأن لا شيء يفعله أو يحترفه غير العرض والمساومة والاحتيال بنفسانية تجارية أولاً تعرف أن القيمة الرمزية والمادية والتاريخية لبيت ودكانة هو أكبر بكثير من المئة مليون دولار ثم «الإسرائيلي» دائماً مريض بغرور المال؛ لأن ليس لديه تواضع الإنسان، ورأسه في خزانة أمواله، بينما رجلاه عند عتبة بيته.. هكذا دائماً على شكل مازوخي أو سائدي لا يليق إلا بنفسية هذا الكائن الاحتلالي إما بالقوة، وإما بالمال.
نأتي الآن إلى الخليلي الفلسطيني في أقصى درجات بساطته وإنسانيته وهو يرفض المال برمته، ويرفض معه المخلية «الإسرائيلية» الاستحواذية عبر الدولار أو عبر البندقية، والفلسطيني، وعلينا أن نلاحظ ذلك، يرفض بلا استعراض، وبلا سعي وراء بطولة، فتاريخه هو بيته، شرفه هو مكانه هذا قبالة الحرم الإبراهيمي في الخليل. بل عِرْضُهُ (بكسر العين) هو بيته ومكان رزقه والتراب الذي سقطت عليه مشيمة أبنائه.
هل هو وطن الفلسطيني الأكبر من المال والثراء والجاه الاجتماعي، ثم الشهرة وأوروبا الباردة الناعمة؟ أم هو الشعور الفطري عند الفلاح الفلسطيني وثقافته الأمومية الشعبية التي تقول إن من يبيع داره، يبيع بلاده، ومن يبيع بلاده، يبيع أهله ومن يبيع أهله.. كان قد باع نفسه للشيطان.. ومن يبيع نفسه للشيطان يكون قد باعها في كل مكان حتى للمتسول وعابر الطريق.
عرض المليونير «الإسرائيلي» شكل من أشكال التسول وعبور الطريق إلى الهاوية.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى