غير مصنفة

الأسلحة الروسية في معادلة الصراع مع الغرب

الحسين الزاوي

وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في إحدى ندواته الصحفية، روسيا بقوله: إنها بلد «صغير» يبيع الغاز والبترول والأسلحة، وقد حاول أوباما أن يعبّر من خلال هذه الكلمات عن بعض الحقائق الاقتصادية التي يصعب التشكيك في صحتها، لكن هذا الهجوم القوي وغير المسبوق أفصح في اللحظة نفسها عن مقدار الانزعاج الأمريكي من السياسات الخارجية لموسكو التي بدت للقيادة الأمريكية، أنها تتجاوز إلى حد بعيد طاقاتها وإمكاناتها الحقيقية، التي تبدو متواضعة إذا ما جرى مقارنتها بالقدرات الصناعية والتكنولوجية لمعظم الدول الغربية الحليفة لواشنطن. ومع ذلك فإن مجمل الأبحاث الاستراتيجية باتت تركز بشكل لافت على الدور المحوري الذي ما فتئت تلعبه الصناعات العسكرية الروسية في بلورة التأثير الجيوسياسي لروسيا، الأمر الذي لم يعد بالإمكان إغفاله بعد أن أصبح يشكل تحدياً كبيراً للصناعات العسكرية الأمريكية والغربية التي تواجه صعوبات جدية على مستوى التسويق، نتيجة لسعرها المرتفع وللتكلفة الباهظة التي تتطلبها عملية صيانتها.
تشير التقارير الصادرة عن مراكز البحث المتخصصة إلى أن روسيا استطاعت أن تحافظ خلال السنوات الماضية على زبائنها التقليديين الذين ظلوا أوفياء لسوق السلاح الموروث عن المرحلة السوفييتية، مثل الصين والهند وفيتنام والجزائر؛ كما تمكنت بموازاة ذلك من الحصول على جانب من الحصص السوقية التي ظلت تحتكرها الصناعات العسكرية الغربية لسنوات طويلة، وهي الآن في طريقها إلى استعادة أسواقها التي فقدتها في كل من ليبيا والعراق، بسبب الشروط السياسية التي تفرضها واشنطن على زبائنها عندما يتعلق الأمر بحماية مصالح حلفائها وفي مقدمهم «إسرائيل».
وبالتالي فإن حصة روسيا من سوق السلاح العالمي في مناطق التوتر الكبرى تبدو مرتفعة إذا ما قورنت بحصص الدول الغربية، نتيجة للتسهيلات الكبيرة التي تقدمها موسكو للدول والقوى الإقليمية التي تتعامل معها في مجال تجارة الأسلحة.
علينا التذكير في هذا المقام أن الصناعات العسكرية الروسية، عرفت تطوراً متواصلاً بداية من سنة 1998، حيث جرى تعديل كبير في العقيدة العسكرية الروسية من أجل مواجهة التحديات التي شهدتها الدولة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستطاعت الصناعات العسكرية الروسية أن تحقق الكثير من النجاحات بفضل المبالغ الهائلة التي رصدت لها خلال الولاية الرئاسية الأولى لفلاديمير بوتين، والتي أسهمت بشكل كبير في إعادة المجمع الصناعي – العسكري الروسي إلى مجال المنافسة في السوق العالمية لتجارة الأسلحة، وسمحت هذه الإصلاحات الجديدة للمؤسسة العسكرية الروسية بتعديل رهاناتها، لكي تستجيب بشكل أفضل للتحديات الأمنية لروسيا محلياً وإقليمياً ودولياً. وقد قام الجنرال مخموت غاريف رئيس أكاديمية العلوم العسكرية في موسكو في السياق ذاته، بتحديد المهام الرئيسة لأكاديميته، في النقاط الأربع التالية: مواجهة التهديدات، ضمان الأمن، التوقع المسبق للحروب والنزاعات المسلحة، تحضير وقيادة المقاومة المسلحة للدفاع عن البلاد، وذلك خلال محاضرة ألقاها بتاريخ 20 يناير 2007.
نستطيع أن نلاحظ اعتماداً على ما يجري تداوله من معطيات جيوسياسية، أن روسيا استطاعت مؤخراً، إحداث خرق جديد في التقاليد المتعارف عليها في تجارة الأسلحة خلال هذه السنة، من خلال إعلانها عن نيتها تصدير بطاريات صواريخ «إس 400» إلى تركيا، أبرز أعضاء حلف الناتو في شرق البحر الأبيض المتوسط وفي الشرق الأوسط، وإلى المملكة العربية السعودية الحليف التقليدي لواشنطن في المنطقة العربية. وقد حافظت روسيا على مرتبتها كثاني مصدّر للأسلحة في العالم سنة 2016 بنسبة وصلت إلى 23 في المائة من السوق العالمية للأسلحة، وهي نسبة جد مرتفعة إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار حجم الاستثمارات الروسية في مجال الصناعات العسكرية التي تبدو متواضعة، مقارنة بحجم الاستثمارات الأمريكية الضخمة، أو حتى مقارنة بتلك الاستثمارات لدى دول أخرى مثل بريطانيا و الصين. ومن الواضح بناء على ما تقدم، أن روسيا لا تريد تكرار أخطاء الاتحاد السوفييتي، وترفض الدخول في سباق تسلح جديد مع واشنطن؛ ولكنها تسعى، كما أشار بوتين مؤخراً، إلى اعتماد مقاربة جديدة في ما يتعلق بالتكنولوجيا العسكرية غير التقليدية، بشكل يجعلها غير مضطرة إلى رصد أموال ضخمة من أجل تطوير منظومتها الدفاعية.
وعليه فإن الاستراتيجية الروسية في مجال تصدير الأسلحة، تبدو في أعين الكثير من المحللين السياسيين، أكثر قدرة على استقطاب اهتمام القوى الإقليمية والدول الوطنية في العالم، بالنظر إلى العناية الكبيرة التي توليها كل من روسيا والصين، اللتين وصفهما ترامب مؤخراً بالدول «التحريفية»، للمسائل المتعلقة بالدفاع عن المفهوم التقليدي للسيادة بالنسبة للدول الوطنية التي تعاني مخاطر التوجهات الانفصالية التي تلقى رواجا لدى الكثير من الفاعلين السياسيين الجدد داخل مجتمعاتها؛ وهي عوامل سمحت في مجملها للصادرات الروسية من الأسلحة، بأن تبلغ مستويات قياسية مع حلول سنة 2015.
ويمكن القول في السياق نفسه، إن سيطرة الدولة الروسية على الصناعات العسكرية وإشرافها المباشر على إبرام عقود تصدير الأسلحة، جعل الصناعات العسكرية الروسية تشكل تحدياً كبيرا لصناع القرار في الغرب مع بداية الألفية الجديدة، نظرا للدور الذي باتت تلعبه الأسلحة الروسية في تغيير موازين القوى، وفي انتشار النفوذ الروسي في الكثير من مناطق العالم. ومن ثمة فإنه وبالرغم من تواضع القدرات التكنولوجية للأسلحة الروسية مقارنة بالقدرات الهائلة المتوافرة لدى الغرب، إلا أن روسيا نجحت في التركيز على عناصر قوتها في مجال الصناعات العسكرية وعملت على تطويرها وفق صيغ مغايرة للتصورات المطبقة في الصناعات الغربية، التي تعتمد على تكنولوجيا مكلفة. وقد سمحت لها هذه الاستراتيجية حتى الآن، بكسر الاحتكار الأمريكي والغربي في مجال رسم السياسات الكبرى على مستوى العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد نهاية الأحادية القطبية.

hzaoui63@yahoo.fr

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى