غير مصنفة

القدس وصفقة «ترامب تاور»

كمال بالهادي

في خطاب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أنّه مختلف عن الرؤساء الذين سبقوه، وقال إنّه سينفذ الوعد الذي قطعه على نفسه للناخبين الأمريكيين. سيكون من الصعب علينا الاقتناع بأن مسألة القدس بالنسبة لترامب هي مسألة عقديّة أو مبدئية، لأنّ الأقرب إلى الحقيقة هو أن القدس كانت مجرّد صفقة، تم الاتفاق عليها في «ترامب تاور»، حيث تعود الرئيس الأمريكي ورجل الأعمال عقد صفقاته الكبرى.
الأسئلة التي يمكن أن نطرحها هنا، من هو الطرف المقابل الذي عقد مع الرئيس الأمريكي صفقة تسليم القدس للصهاينة؟ وبأي ثمن؟ صحيفة «نيويورك تايمز» التي يعتبرها ترامب معادية له، ويخصّها بنصيب كبير من تدويناته على «تويتر»، قالت إن القرار جاء بعد زيارة شيلدون أدلسون، الملياردير اليهودي، لبرج ترامب، وذلك قبل عشرة أيام من إعلان القرار، وهناك اجتمع أدلسون بصناع القرار في البيت الأبيض، وبصديقه مورتن كلين وهو رئيس المنظمة الصهيونية، في أمريكا، ولم ينته الاجتماع إلا بالاتفاق النهائي على القرار الذي يقول عنه أدلسون إنه جاء متأخراً.
هناك جملة عوامل تقف خلف قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان المحتل. وهي مجتمعة تسحب من ترامب الادعاء بأنّه سيكون الرئيس الأفضل للولايات المتحدة، وبأنه سيجعل أمريكا قوية من جديد.
العامل الأوّل يتعلق بكون ترامب رجلاً ذا شخصية ضعيفة، أمام إغراءات المال. فبالعودة إلى الحملة الانتخابية لترامب سنجد أن أدلسون قد دفع نحو 20 مليون دولار لتمويل الحملة، وأمام تلك الأموال التي تدفقت على حملته الانتخابية، تعهد مرشح الحزب الجمهوري، لأدلسون بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدويلة «إسرائيل». خاصة أن ترامب هو من طلب مساعدة أدلسون، بعد أن تخلى قسم كبير من الجمهوريين عنه، ورفضوا ترشيحه، واعتبروه شخصاً يمكن أن يضر بمصالح الولايات المتحدة في المستقبل، وطبعاً فإن لوبيات النفوذ تستغل مثل هذه المواقف، وهي مدركة أن الرئيس الجديد سيكون أداة طيّعة بيدها، وهذا ما يتحقق على أرض الواقع.
لا بد من الحديث هنا عن أن أدلسون ليس هو الشخصية الوحيدة المؤثّرة في قرار ترامب، لأنّ المحيطين به، هم أيضاً من مناصري «إسرائيل»، بل من غلاة نصرتها، وعلى رأسهم مستشاره لشؤون الشرق الأوسط ومبعوثه الخاص إلى هناك، جيسون جرينبلات، اليهودي المتعصب الذي يرتبط بعلاقات ب«إسرائيل»، ودرس بمدرسة يشيفا اليهودية الدينية، وألف كتاباً حول رحلة العائلة إلى «إسرائيل». ويشارك هذا الرجل، الذي كان وكيلاً للرئيس الأمريكي في رحلات دبلوماسية إلى أنحاء المنطقة، لا للقاء الزعماء «الإسرائيليين» والفلسطينيين وحدهم، بل للاجتماع مع مسؤولي البلدان العربية الذين يسعون للتوصل إلى حل للنزاع المستمر على مدار عقود من الزمن.
العامل الثاني يتعلق بعوامل أسرية ضاغطة تمثلت في الدور الذي تلعبه ابنة الرئيس إيفانكا وزوجها اليهودي جاريد كوشنر، والذي يعتبر عرّاب القرار، وهو الذي زار المنطقة في أكثر من مرة، وزار الكيان والتقى قادة الاحتلال الذين حثوه على التأثير على والد زوجته لتحويل الوعد إلى حقيقة واقعية. وقد ترجم ترامب هذا التأثير في خطابه بمناسبة عيد «الحانوكا» الذي ألقاه أمام الجالية اليهودية في واشنطن، حيث أشاد بصهره كوشنر وبابنته وأحفاده واعتبر أن الأمة اليهودية هي أمة استطاعت أن تقاوم كل أنواع الظلم، وأن استعادة القدس هي نصر لتلك الأمة.
قد لا يكون ترامب فقيهاً في السياسة، ولكنه فقيه وخبير في إزعاج الآخرين بتصريحاته اللاّمسؤولة، وهو يقود الولايات المتحدة إلى نتيجة وحيدة وهي صفر أصدقاء، ولذلك حذّر خبراء السياسة الدولية من أن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، قد يكون هو الرئيس الذي سيقود البلاد إلى أزمات عميقة. وقد ينتهي الأمر، بعزله من منصبه إن تم الاضطرار إلى ذلك.
صاحب ترامب تاور، يحسن عقد الصفقات، ولكن المتابعين لسيرته الاقتصادية في مجال المال والأعمال، يقولون إنه كثيراً ما عقد صفقات خاسرة، وكثيراً ما قاد مؤسسات ناجحة إلى الإفلاس. فهل تكون صفقة ترامب تاور «بينه وبين شيلدون أدلسون، هي الصفقة الخاسرة الثالثة؟ ومن سيهرع لإنقاذه هذه المرة؟ صفقة القدس، هي صفقة خاسرة، و«ترامب تاور»، ستنهار يوماً ما لأنها تجرّأت على أقدس مكان، وأطهر أرض.

belhedi18@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى