غير مصنفة

الرواية والأغنية والشعر

يوسف أبولوز

يكشف الروائي النيكاراغواي «سيرجيو راميريز» (75 عاماً)، وفاز مؤخراً بجائزة "ثيرفانتس للآداب"، جانباً من شخصية صديقه الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، فقد قال إن صاحب «مئة عام من العزلة» كان يحفظ كل الأغاني والقصص الشعبية في العالم، وكل قصائد روبين دارييو عن ظهر قلب، دارييو شاعر من نيكاراغوا 1867-1916، ومن المعروف أن ماركيز قال أكثر من مرة، إن الفضل في نجاح الكثير من رواياته إلى القصص الشعبية والحكايات، التي كانت تسردها له جدته.. لكن حفظ الأغاني عن ظهر قلب فهذه معلومة جديدة تتعلق بكاتب هو أبو الواقعية السحرية في فن الرواية المعاصرة.
من المؤكد أنها الأغاني الشعبية تلك التي كان ماركيز يحفظها عن ظهر قلب، ولكن ما العلاقة الممكن أن تكون حيوية بين الرواية والأغاني؟؟
يستفيد الشاعر من أغاني بلاده الفولكلورية أو الشعبية، ولكن ما الوظيفة الفنية للأغنية في السرد الذي يقوم، عادة، على التداعيات، بل ويقوم أيضاً على التاريخ والوثيقة والمخطوط والشخصيات الفارقة مثل الأعلام والأبطال أو الزعامات الكاريزمية أو الروحية: ابن عربي، جيفارا، غاندي، عبدالناصر، مانديلا، عز الدين القسام، عمر المختار.. وغيرهم الكثيرون.
قد يأخذك هذا التساؤل إلى الثراء الغنائي الشعبي في البلدان العربية بشكل خاص، ويذكر هنا أن الأغنية الشعبية العراقية تنهض على روح عالية من الشجن والحنين والحزن، ويقال دائماً إن العراقي إذا نفض كم قميصه تساقط منه الشعر.. وقد يعود ذلك إلى الأغنية شقيقة القصيدة وجارتها في اللغة والإيقاع والموسيقى.
على المستوى الفلسطيني وظف بعض الشعراء الغناء الشعبي المحلي المعروف ب«الميجنا» في قصائد فصحى مشبعة بروح الأرض والإنسان، وفي مصر تحتفظ ذاكرة أهل النيل بأغنيات سيد درويش حتى لو كانت ذاكرة شبابية، وفي الخليج العربي يشكل غناء البحر بموضوعاته الشجية الحنينية روح الذاكرة الشعبية الخليجية التي تحتفظ بأصالة بصور الغوص على اللؤلؤ وغيابات البحارة الطويلة في مجهول الماء «ومعلومة» وفي المنطقة المغاربية العربية تطرب الأذن للتراثيات الغنائية المرتبطة عادة بقصص شعبية، وفي بلاد الشام تستعاد إلى اليوم أغاني الحصاد، والأعراس، والختان، وتلك الأغاني التي تطلقها النساء في الشتاء تضرعاً لهطول المطر.
الأغنية الشعبية في السودان مكون أصيل في قماشة الثقافة والفن والحياة في إطار توازن خلاق بين الروح الإفريقية، والروح العربية، وأحد تجلياتها التصوف، والشجن والحنين.
هل استطاع الروائي العربي الوصول إلى روح الأغنية الشعبية، وبالتالي، تمثلها إبداعياً وثقافياً في السرد؟؟ جرى ذلك في حدود ضيقة في الرواية العربية، لكن تظل الأغنية دائماً الأقرب إلى الشعر.. لا بل بعض القصائد مع مرور الزمن، وعندما تحفظ عن ظهر قلب.. تتحول إلى أغنيات تراثية شعبية.
نهض مجد لوركا على شعره الغنائي الذي تحول إلى فولكلور مغنى.. والأمر نفسه سيجري مع محمود درويش، ملك الغنائية الفلسطينية الشجية، ولكن كي تتحول القصيدة إلى أغنية تحتاج إلى وقت طويل مهما طال لن تتحول فيه الرواية إلى أغنية.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى