جديد الكتب

القرن الأمريكي العنيف

تأليف: جون داور
عرض وترجمة: نضال إبراهيم

بلغت الحرب العالمية الثانية أوج «الحرب الشاملة» الصناعية، وتعاملت القوى العظمى بوحشية مع بعضها، فاجتاحت الأعمال العدائية الكرة الأرضية. وامتدت التعبئة إلى كل قطاع في المجتمع. كما برزت الحرب الجوية، التي تم فيها قصف المدنيين بحجة محاربة الإرهاب، كاستراتيجية مركزية للقوى الأنجلو-أمريكية المنتصرة. في الحقيقة، كان الدمار كارثياً في كل مكان تقريباً، وكان عدد القتلى من القوات المقاتلة بالإضافة إلى المدنيين في جميع أنحاء العالم مروعاً، مع استثناء ملحوظ لدى الولايات المتحدة، التي خرجت من الصراع سالمة في السلطة والنفوذ. يتناول هذا العمل الفوضى والكوارث العالمية في قرن القوة الأمريكية.
يتناول جون داور في كتابه الجديد «القرن الأمريكي العنيف: الحرب والإرهاب منذ الحرب العالمية الثانية» الصادر عن (دار هيماركت بوكس، 2017) التحولات التي تقودها الولايات المتحدة في سلوك الحرب ووضع الاستراتيجيات التي أعقبت عام 1945، بدءاً من الأعمال العدائية المحلية الوحشية والحروب بالوكالة والإرهاب النووي للحرب الباردة، وينتهي إلى مناقشة الصراعات غير المتماثلة في يومنا هذا.
ويتناول كيف أن هذه القوة الغاشمة تركز على الإرهاب غير الحكومي، ومكافحة التمرد، والعمليات السرية، وإنشاء شبكات واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج، إذ يجد أن أفضل وصف يمكن قوله هو إن ما يحدث (عصر جديد ثوري من حروب «الدقة» المحوسبة). وعلى النقيض من الحرب العالمية الثانية، كانت نسبة الوفيات والدمار في فترة ما بعد الحرب صغيرة نسبياً، إلا أنه بتدبير آخر، أصبح الأمر مروعاً، ولا يظهر أي مؤشر على التراجع.
يركز داور بشكل كبير على البيانات والتخطيط الداخلي الأمريكي في هذا التحليل الموجز للحرب والإرهاب في عصرنا هذا. ويضع سياسة الولايات المتحدة وممارساتها ضمن إطار أوسع من الفوضى والمذابح العالمية منذ الحرب العالمية الثانية، مع اهتمامه دائماً بالخط السفلي من التكاليف البشرية لهذا الإرث من العنف المتواصل.

تنديد بـ«فيروس» العزلة

في مقالة شهيرة نشرت عام 1941 بعنوان «القرن الأمريكي»، ندد هنري لوسي، ناشر مجلة «لايف»، بـ«فيروس» العزلة التي كان يعتقد أنها «تهدم مصير أمريكا كمنارة للمثالية الديمقراطية والحرية بموجب القانون». كان يقول إن الولايات المتحدة «تقبل بكل إخلاص واجبنا وفرصنا كأقوى وأكثر دولة حيوية في العالم، وبالتالي لا بد أن تمارس على العالم التأثير الكامل لنفوذنا، وذلك للأغراض التي نراها مناسبة وبالوسائل التي نراها مناسبة». هذا التوصيف بدا مشابهاً كثيراً لتلك الأقوال التي تفوهت بها القوى الإمبريالية الأخرى التي رأت أيضاً أن من واجبها تشكيل النظام العالمي بطريقة تفضي إلى مصلحتها.
مؤرخ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جون داور يقول إنه لو كان لوسي موجوداً اليوم، لربما كان متحمساً لشبح المجتمعات الاستهلاكية المزدهرة في جميع أنحاء العالم، وانهيار الاتحاد السوفييتي، والموافقة على الخطاب التبشيري من قادة الحكومة. بيد أن لوسي، بصفته منافساً للحكومة المتطفلة، ربما قد يعرب عن أسفه لتحول البلاد إلى دولة الأمن والرقابة الوطنية، ويشكك في الميزانيات العسكرية الضخمة كخيانة مثل جورج واشنطن.
يذكر داور أن القرن الأمريكي سيتذكره المؤرخون في المستقبل بسبب العنف الهائل وعدم الاستقرار العالمي الذي ساعد على توليده. ويذكر أنه بين عام 1946 ونهاية القرن العشرين، غزت الولايات المتحدة أكثر من اثني عشر بلداً، واستخدمت قواتها المسلحة الخاصة في مئات الصراعات العسكرية. ونفذت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ما لا يقل عن 81 عملية سرية أسفرت عن مقتل أكثر من مليون شخص، وتأمين الإطاحة بما لا يقل عن 24 حكومة في أمريكا اللاتينية.
وعلاوة على ذلك، شاركت الولايات المتحدة في إجراء تجارب غير مشروعة للمخدرات على ضحايا لا يشتبه بهم، متحالفين مع المافيا، ورعاية حملات إرهاب حكومية كما في «عملية كوندور» في أمريكا الجنوبية و«فينيكس» في فيتنام، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 20 ألف شخص.
هل العالم أكثر أماناً؟
إلى جانب التدخلات الخارجية، تطورت الحكومة الأمريكية في الوقت نفسه لتصبح أكبر تاجر للأسلحة في العالم، وأنشأت مخزوناً نووياً لأكثر من 22 ألف رأس حربي في ذروة الحرب الباردة، ما أدى إلى سباق التسلح مع السوفييت، وهذا جعل العالم أقل أماناً بكثير.
وباللجوء إلى التراث العريق لعلماء الاعتذار الإمبرياليين، فإن رواية أكاديمية حديثة تدعي أن العالم أكثر أماناً من أي وقت مضى، وأن القيادة العالمية الأمريكية تشكل عامل استقرار في العالم. ويشير إلى ما قاله مؤرخ جامعة ييل جون ل. جاديس عن الحرب الباردة، إذ وصفها بأنها «عهد سلام طويل»، متجاهلاً سجل الحروب بالوكالة على نطاق واسع وعنف الدولة الذي زعزع استقرار مناطق بأكملها، وأثار موجة الإرهاب.
في الحقيقة، يعيد كتاب داور التأكيد على الجانب العنيف للقرن الأمريكي الذي «تحدث فيه عمليات قتل جماعية مروعة بشكل متكرّر». ففي كوريا والهند الصينية وحدهما، قتل الجيش الأمريكي ملايين المدنيين عبر اللجوء إلى القصف النظامي وهجمات النابالم، كما سممت المناظر الطبيعية عبر إسقاط الملايين من جالونات العامل البرتقالي، (هو الاسم الحركي لمبيد أعشاب ونازع ورق الشجر، كان يستخدمه الجيش الأميركي أثناء حرب فيتنام كجزء من برنامج الحرب السامة عام 1961 – 1971).
بعد حرب فيتنام، ركز الجيش الأمريكي على تطوير أسلحة دقيقة جديدة كجزء مما يسمى الثورة في الشؤون العسكرية، والتي تهدف إلى الحد من الأضرار الجانبية، والتمكن من شن حروب أنظف لن تنتقل إلى مستنقعات. ويقول داور إن ستيفن بينكر الأستاذ في جامعة «هارفارد» الأمريكية، مؤلف كتاب «الملائكة الأفضل لطبيعتنا: لماذا انخفض العنف» يتقبل منطق الجيش، ويضع الثورة الدقيقة في قلب أطروحته عن العنف المنخفض.

عنف متواصل

يرى جون داور أنه لا تزال الولايات المتحدة في الواقع تواصل تسهيل حدوث سباقات جديدة للأسلحة مع الروس والصينيين، وتنشر قوة نيران شرسة في حروب مثل أفغانستان والعراق، وهو ما يتجلى في سقوط قنبلة «مواب» التي تعرف باسم أم القنابل، (في يوم 13 إبريل 2017 نفذ الجيش الأمريكي أول هجوم له بهذه القنبلة ضد تنظيم «داعش» في أفغانستان في سلسلة من الكهوف في ولاية ننغرهار)، إلا أن الأسلحة المصممة لقتل الإرهابيين تقتل العديد من المدنيين مباشرة أو بالوكالة ما يؤدي إلى حدوث نزاعات أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية.
قبل خمسة وسبعين عاماً، قدم هنري أ. والاس (1940-1944) نائب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، بديلاً عن رؤية لوسي للقرن الأمريكي الذي اقترح «قرن الإنسان المشترك»، وفيه «لن يكون لأي دولة حق معطى من الله لاستغلال الدول الأخرى. سيكون لدى الدول العريقة امتياز مساعدة الدول الفتية على البدء في مسار التصنيع، ولكن يجب ألاّ يكون هناك إمبريالية عسكرية ولا اقتصادية. إن طرق القرن التاسع عشر لن تعمل في القرن الحالي الذي يوشك الآن على البدء». لكن يرى الكاتب أنه للأسف كانت رؤية لوسي هي التي طغت على رؤية والاس. وحينها تم إبعاد «الحالم الأمريكي» من منصبه كنائب الرئيس من قبل حراس السلطة في الحزب الديمقراطي لأنه أعدّ رسالة سلام لأجل الشعب الأمريكي.

«إدارة أوباما والنووي»

تبنى الرئيس الأمريكي باراك أوباما نموذج «جلوبال زيرو» عند تسلمه زمام الرئاسة الأمريكية في 2009، حتى إنه نال جائزة نوبل للسلام على خطابه بشأن النووي والقضايا العالمية الأخرى. إلا أن الأمر لم يستغرق طويلاً حتى أوضحت إدارته أن نزع الأسلحة النووية الكامل أمر متعذر. فتقرير «استعراض الموقف النووي» في إبريل 2010 ابتعد عن التأكيد على أنه لن يكون هناك اختبار نووي ولا تطوير للأسلحة الجديدة. في تلك السنة، أجرت كل من واشنطن وموسكو ما يعرف بمعاهدة «ستارت» الجديدة، حيث اتفقتا على تخفيض أكثر في الرؤوس الحربية الاستراتيجية. لكن لم تحتوِ المعاهدة على أي حدود بشأن الأسلحة غير الاستراتيجية أو رؤوس حربية غير منتشرة. وفي رسالة له إلى مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن معاهدة «ستارت» الجديدة، قدم أوباما تطمينات مضمونها أنه اعتزم الإبقاء على القاعدة الصناعية لقاذفات الصواريخ و«سيحدّث ويستبدل ثالوث أنظمة التوصيل النووية الاستراتيجية». ويشير مصطلح «الثالوث النووي» إلى طرق إطلاق الأسلحة النووية من الخزينة النووية الاستراتيجية التي تتألف من ثلاث مكونات، قاذفة قنابل استراتيجية، صاروخ بالستي عابر للقارات، صواريخ بالستية تطلق من الغواصات. والهدف من امتلاك نظام نووي بثلاث مكونات هو تقليل خطر التدمير الكامل للقوة النووية من قبل العدو في حال تلقي الضربة الأولى، وبالتالي رفع قابلية توجيه ضربة رد. الهدف من كل هذا هو رفع قوة الردع النووي للدولة التي لديها الثالوث النووي.
ويعلق الكاتب على ذلك: «بدلاً من أن تتجه الولايات المتحدة خطوة نحو عالم من دون أسلحة نووية – بحسب كلمات أوباما في براغ – إلا أن معاهدة «ستارت» الجديدة أشارت إلى انتصار المخططين الاستراتيجيين لما بعد الحرب الباردة الذين دافعوا عن نموذج معدل من الردع النووي»، مضيفاً:»الترسانات الضخمة التي ميزت توازن القوى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كانت من المفترض أنها تتناقص بشكل مستمر، لكنها لم تتلاشَ بالكامل. في مارس 2015، ظهرت أرقام رسمية عن الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنتشرة التي قدرت ب 1597 للولايات المتحدة، و1582 لروسيا. (مصادر أخرى تعطي أرقاماً أعلى من ذلك).
يرى الكاتب أن تسع قوى في العالم (روسيا، أمريكا، الهند، باكستان، «إسرائيل»، فرنسا، بريطانيا، كوريا الشمالية، الصين) تمتلك الأسلحة النووية، وليس لدى أي منها نية جدية في التخلي عنها، ويجد أنه مع هذا العدد الكبير للدول القادرة على استخدام النووي، فإن احتمالية الاستخدام المتعمد أو العرضي لهذه الأسلحة يزداد أكثر فأكثر. ويشير إلى أن عبارة «القوس الذري لعدم الاستقرار» باتت تنذر بالشؤم أكثر عن أول استخدام لها قبل عقود من الزمن.
ويقول في الختام إن 2016 حددت الذكرى الخامسة والسبعين لمبدأ «القرن الأمريكي العنيف» الذي صاغه هنري لوسي، ولاشك أنه شعر أن رؤيته لأمريكا كأكثر دولة ذات نفوذ وحيوية في العالم قد تأكدت، مبيناً أن ما طرحته الولايات المتحدة من النماذج الديمقراطية والدعوة إلى حقوق الإنسان لم يجلب إلاّ الألم والقتل والدمار والهلاك لشعوب الدول التي دخلت إليها، والتاريخ يثبت أن العنف الأمريكي هزّ العالم خلال العقود الماضية، ولا يزال.
يقع الكتاب في 167 صفحة، وينقسم إلى تسعة أقسام هي: 1) قياس العنف. 2) ميراث الحرب العالمية الثانية. 3) الإرهاب النووي في الحرب الباردة. 4) حروب الحرب الباردة. 5) الإرهاب البديل والحروب بالوكالة. 6)الأنظمة العالمية القديمة والجديدة: 1900. 7) 11 سبتمبر و«نوع جديد من الحرب». 8) أقواس اللاستقرار. 9) القرن الأمريكي في الخامسة والسبعين.

نبذة عن المؤلف:

جون دبليو. داور هو أستاذ فخري في التاريخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. تدور اهتماماته في فلك التاريخ الياباني الحديث والعلاقات الأمريكية اليابانية. وهو مؤلف للعديد من الكتب، من بينها: «طرق النسيان»، «الحرب بدون رحمة»، «ثقافات الحرب»، وكتاب «احتضان الهزيمة». حصل على العديد من الجوائز الوطنية على كتاباته التاريخية، منها جائزة بوليتزر وجائزة الكتاب الوطني في الولايات المتحدة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى