مقالات عامة

مِنْ مُقتضيات «الربيع» القادم!

كمال الجزولي

«العدالة الانتقالية» مفهوم يخص المجتمعات الخارجة، لتوها، من ظروف حروب أهلية استعرت على مدى زمني ليس بالقصير، أو من هيمنة أنظمة دكتاتورية طال بقاؤها. هذا المفهوم ينطبق خلال الفترة التي تعقب اندحار مثل هذه الأنظمة، أو وضع تلك الحروب الأهلية أوزارها، ويشتمل على مجموعة تدابير عدلية، غير تقليدية بالضرورة، تروم تصفية واستدبار تركة الماضي التي تكون، في العادة، مثقلة بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، أو بكثير من الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو ما إليها، وفتح الطريق، في النهاية، أمام أبنية وطنية واجتماعية مختلفة، تتأسس على معايير دستورية تسيج عملية الانتقال المطلوب، ويسودها السلام، والعقلانية، والديموقراطية، والاستقرار السياسي، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وسيادة حكم القانون، وإعلاء قيم الخضوع للمساءلة، وما إلى ذلك. وهكذا فإن الفلسفة الكامنة في صلب تدابير «العدالة الانتقالية» هي أن الظروف التي تروم هذه التدابير تجاوزها خلال مرحلة الانتقال هي ظروف استثنائية، تتطلب، بالتالي، معالجات استثنائية.
وفي المنطقة العربية، وباستثناء المغرب الذي كان سبّاقاً بتجربته في تطبيق أحد أشكال «العدالة الانتقالية»، مع مطلع تسعينات القرن المنصرم، فإن الانشغال بهذا المفهوم فرض نفسه على الساحة السياسية العربية، أكثر من أي وقت مضى؛ من خلال الأحداث التي واكبت وأعقبت «الربيع العربي»، على تخوم العقدين الماضي والحالي. وقد اتخذ هذا الانشغال صوراً مختلفة على المستوى القُطري، من العراق إلى تونس، ومن سوريا إلى اليمن، ما يشرق صبح إلا ويسمع له هدير، وما تغرب شمس إلا ويتمايح له صدى، في أجهزة الإعلام، وفي الصحافة الورقية والإلكترونية، كما وفي برامج الأحزاب، والتنظيمات المدنية، والقوى المختلفة؛ لذا كان طبيعياً أن يبلغ هذا الانشغال ذروته في المؤتمر الذي استضافته جامعة الدول العربية، بالتعاون مع «المركز العربي للوعي بالقانون»، تحت عنوان «آليات العدالة الانتقالية في دول الربيع العربي»، بتاريخ الثاني والعشرين من سبتمبر/‏‏أيلول 2009م. وكان الأمل أن يساعد ذلك المؤتمر في توحيد مختلف الرؤى العربية حول إنفاذ هذا النوع من العدالة، وتنسيق آلياتها المطلوبة.
ان ذلك الاهتمام راح يذوي وينحسر، قُطرياً وإقليمياً، مثلما راح يذوي وينحسر «الربيع العربي» نفسه، حتى تلاشى، أو كاد، وسط الكثير من الانشغالات الأخرى التي استغرقت مجتمعاتنا، فصرفتها عنه، دون أن يتحقق أي شيء مما كانت تصبو إليه الشعوب من حرية، وانعتاق، وعدالة، وقضاء على الاستبداد وبؤر الفساد.
مع ذلك ما من أحد يستطيع أن يجزم بأن المنعطف العربي الكبير، الذي بشّر به التاريخ، مع نهاية العقد الأول من هذه الألفية، قد اندثر، وأضحى أثراً بعد عين، مرة وللأبد!
وبما أن المتوقع، دائماً، أن تفضي نفس المقدمات إلى نفس النتائج، فإن من حسن الفطن أن يتحسب قادة هذه الشعوب لانتفاضاتها المنتظرة، في «ربيع» قادم، أو أكثر من «ربيع»، طال الزمن أو قصر. فلئن لم يُطلب من هؤلاء القادة، في العادة، أن يصنعوا «الربيع»، فليس أقل من أن يتحلوا بالانتباه لمقتضياته، وإلا وافى، ثم انقضى، كسابقه!
حسن القيادة لا يعني الاقتصار على حسن الأداء في لحظة انبثاق «الربيع»، فقط، إنما يعني النهوض، قبل أي شيء، بمسؤولية التحضير لهذا الانبثاق؛ مثلما يعني النهوض بمقتضيات التغيير، أيضاً، في ما يعقب لحظة الانبثاق، إلى المدى الذي تتطلبه هذه المقتضيات، وعلى رأسها اتباع أشكال مناسبة من «العدالة الانتقالية». ويختلف مفهوم هذه العدالة عن مفهوم «العدالة التقليدية»؛ من حيث الأهداف، والقواعد، والمعايير، والهيئات، والآليات، تقصياً ل «الحقائق»، و«جبراً» للضرر، و«إصلاحاً» للمؤسسات ذات الصلة بانتهاكات الماضي، قبل الوصول، في نهاية المطاف، إلى «مصالحة» مرغوب فيها، ليس مع هذا النظام أو ذاك، كما قد يتبادر إلى الأذهان؛ بل مع التاريخ الوطني والذاكرة الوطنية، أولاً وأخيراً، على ضوء الخبرات التي راكمتها عشرات التجارب العالمية، خلال زهاء الخمسين سنة الماضية، من جنوب إفريقيا، إلى المغرب، إلى الأرجنتين، إلى غواتيمالا، إلى تشيلي، وغيرها.
«العدالة الانتقالية» قضية بالغة الخطورة والأهمية، وترمي، كما تعكس التجارب العالمية، إلى تحقيق جملة أهداف في آن واحد، أقلها إبراء جراح الضحايا، ورتق النسيج الاجتماعي، واستعادة السلم الأهلي، وتحقيق المصالحة الوطنية.
وتلك، كما هو واضح، أهداف جليلة، قياساً إلى محض إدانة المجرمين، وإنزال العقاب بهم، فينبغي وضعها في الاعتبار، واستصحابها في ترتيبات أي «ربيع» قادم، وإلا فلن تكون ثمة جدوى منه.

kgizouli@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى