مقالات عامة

خروج وهمي أو لا خروج

أناتول كاليتسكي*

منذ الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي العام الماضي، كانت المملكة المتحدة أشبه بمنتحر يقفز من بناية ارتفاعها 100 طابق، وعند مروره بالطابق الخمسين أثناء سقوطه يصرخ: «حتى الآن، كل شيء على خير ما يرام». والواقع أن هذه المقارنة غير عادلة للمنتحرين. فالرسالة الاقتصادية والسياسية الحقيقية اليوم هي: «حتى الآن، كل شيء في غاية السوء».
جاءت «صفقة» بدء المفاوضات حول هيئة العلاقات بعد خروج بريطانيا، التي أُعلِن عنها في قمة الاتحاد الأوروبي في الخامس عشر من ديسمبر/‏كانون الأول، في أعقاب إذعان رئيسة الوزراء تيريزا ماي لجميع مطالب القادة الأوروبيين: المساهمة في الميزانية بمبلغ 50 مليار يورو (59 مليار دولار أمريكي)، وولاية المحكمة الأوروبية على كل ما يتصل بحقوق مواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا، والحدود المفتوحة دائماً مع أيرلندا. وكان التنازل الأخير، مغيراً لكل القواعد. فقد فرضت الحدود المفتوحة في أيرلندا على تيريزا ماي، التخلي عن وعد «استعادة السيطرة» من الاتحاد الأوروبي وإطاره التنظيمي، كما أَكَّد بيان القمة: «في غياب حلول متفق عليها، تلتزم المملكة المتحدة بقواعد السوق الداخلية والاتحاد الجمركي، الذي يدعم- الآن أو في المستقبل- التعاون بين الشمال والجنوب».
إذا استبعدنا الخروج العنيف، والخروج السلس، فماذا قد يتبقى لدينا من خيارات؟ يتمثل الخيار الواضح، الذي ظهر بعد مقامرة الانتخابات الفاشلة، التي خاضتها تيريزا ماي في شكل من أشكال عضوية الشراكة في الاتحاد الأوروبي، التي تشبه النهج المتبع في التعامل مع النرويج؛ بموجب هذا الخيار تحتفظ بريطانيا بالعديد من امتيازاتها التجارية الحالية، مقابل الامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي وضوابطه التنظيمية، بما في ذلك الانتقال الحر للعمالة، والمساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وقبول الولاية القضائية لقانون الاتحاد الأوروبي. وفي حين رفضت ماي بحماقة كل الشروط الثلاثة في وقت سابق من هذا العام، فسوف تكون النتيجة المرجحة للمفاوضات بشأن الخروج البريطاني طمس كل «خطوطها الحمراء» تماماً.
في حين قد ترحب الشركات والمستثمرون وخبراء الاقتصاد بهذا «الخروج البريطاني الوهمي» على الطريقة النرويجية، فإنه لا يخلو من تكاليف سياسية ضخمة. فبموجبه تضطر بريطانيا إلى الالتزام بقوانين الاتحاد الأوروبي وضوابطه التنظيمية وأحكامه القانونية، التي لن يصبح لها أي رأي في تحديدها أو إقرارها. وبدلاً من كونها صانعة للقواعد، تُصبِح المملكة المتحدة «متلقية للقواعد» أو باللغة الانفعالية التي يتبناها -مؤخراً- المتشددون من أنصار الخروج البريطاني العنيف، سوف تُختَزَل بريطانيا من قوة إمبراطورية إلى «دولة تابعة» أو «مستعمرة» للاتحاد الأوروبي.
ماذا قد يحدث إذن في نهاية الفترة الانتقالية في إبريل/‏نيسان 2021؟ الإجابة الوحيدة المعقولة هي فترة انتقالية أخرى، ولو لمجرد تجنب انقطاع مدمر اقتصادياً للقواعد المنظمة للتجارة قبيل الانتخابات العامة في المملكة المتحدة في عام 2022. وعلى افتراض امتداد الفترة الانتقالية من 2021 إلى 2023 على سبيل المثال، أليس من المحتمل أن نشهد تمديدات أخرى؟، وهو ما قد يتحول إلى ترتيب شبه دائم؟ فقد كانت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والنرويج عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، مصممة كمرحلة انتقالية وجيزة، ولكنها دامت 24 عاماً الآن.
إذا كان الخروج العنيف غير مقبول اقتصادياً من منظور الشركات والبرلمان، فإن الخروج السلس غير مقبول سياسياً من جانب قادة الاتحاد الأوروبي، والخروج الوهمي غير مقبول بين الجميع تقريباً، ولا يترك لنا هذا غير بديل واحد هو: عدم الخروج. يتلخص الشرط الضروري لتسلسل الأحداث على هذا النحو في انهيار حكومة تيريزا ماي، ربما بسبب تمرد أنصار الخروج ضد شروط «الدولة التابعة»، التي يفرضها الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الانتقالية. وفي مثل هذه الظروف، يكاد يكون من المؤكد أن تنتج أي انتخابات عامة ائتلافاً بقيادة حزب العمال على أساس وعد بإعادة النظر في الخروج البريطاني.
في الوقت الراهن، كان التهديد المتمثل في قدوم حكومة عمالية يعد كافياً؛ لترويع المتشددين من أنصار الخروج.
حتى الآن، لا يزال القافز المنتحر مستمراً في السقوط، ولن يتسنى لنا أن نعرف ما إذا كان معلقاً بحبل قفز مطاطي قبل أن يمر بنافذة الطابق الأول.

*كبير خبراء الاقتصاد والرئيس المشارك لمؤسسة جافيكال دراجونوميكس، ومؤلف كتاب «الرأسمالية 4.0: مولد اقتصاد جديد». والمقال ينشر بترتيب مع «بروجيكت سنديكيت»

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى