مقالات عامة

تحرش أمريكي في أوكرانيا

مفتاح شعيب

إذا كانت هناك قناعة بأن العلاقات الأمريكية الروسية ليست على ما يرام، فهناك كثير من التفاصيل والمواقف تشير إلى «طبيعية» وأخرى تؤكد أنها سيئة جداً وفرضت أجواء من العداوة بين البلدين. وبعد أيام قليلة من مكالمة بين الرئيس الروسي فلادمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب لشكره على معلومات استخبارية حالت دون وقوع اعتداءات إرهابية في موسكو، ها هو الوضع يتأزم بينهما في أوكرانيا بعدما قررت واشنطن تزويد كييف بأسلحة فتاكة في تحرش مباشر بروسيا.
الروس تلقفوا الإعلان باستياء شديد وحذروا بلهجة حادة الأمريكيين من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى «حمام دم جديد»، لأن الأسلحة الأمريكية ستستخدمها القوات الأوكرانية ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا، والتحذير من «حمام الدم» يتضمن صراحة أن موسكو لن تتوانى عن تزويد حلفائها بأسلحة أشد فتكاً، وقد تصبح المواجهة مفتوحة بينهما على نطاق أوسع، وعندها قد تتحول أوكرانيا بأكملها إلى ساحة حرب وأزمة كبيرة، مع تسجيل زيادة في خروق وقف إطلاق النار الهش بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين، وتعالي أصوات أوروبية من فرنسا وألمانيا بضرورة الالتزام ب «اتفاقية منسك» الموقعة في عام 2015، ولم تجد طريقها إلى التطبيق وتسوية الأزمة.
«الاشتباك» الأمريكي الروسي في أوكرانيا ليس جديداً، فأزمة هذا البلد ظلت من مناطق عالية التصعيد بين البلدين على غرار سوريا وكوريا الشمالية. وإثارة الوضع على الحدود الغربية لروسيا له علاقة بما يجري على حدودها الشرقية ، وكذلك في الأزمة السورية، وإذا كانت الدبلوماسية الأمريكية تفضل العمل وسط الصخب الإعلامي وفيضان من التصريحات، تنتهج نظيرتها الروسية العمل بعيداً عن التهريج واختيار مواقيت مخصوصة لإعلان مواقفها. فقبل أيام كان التوتر على أشده بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. ومن يسمع التهديدات الجرارة المنطلقة من واشنطن يتوقع أن الحرب واقعة لا محالة، ولكن اليقين أن شيئاً من ذلك لن يحصل في المدى القريب على الأقل، وبتدخل الروس والصينيين تم سحب الفتيل وأصبحت الولايات المتحدة مع «مفاوضات غير مشروطة»، وما يرتسم في المشهد أن التحرك الأمريكي في شرقي آسيا، قد مني بهزيمة سياسية، والشيء نفسه حدث في الأزمة السورية، حين أعلنت موسكو النصر على الإرهاب وبدأت بسحب الجزء الأكبر من قواتها، بينما تحاول واشنطن تدارك وضعها المتردي برغبتها في عدم سحب قواتها، وسعيها إلى الحفاظ على المنطقة مشتعلة. ومن أجل ذلك تحاول أن تعيد بناء ميليشيات جديدة، وسط تقارير غير مؤكدة تشير إلى أن الصف الأول من قيادات تنظيم «داعش» الإرهابي في حماية الأمريكيين في قاعدة بالحسكة السورية، ولا أحد يعلم ما هي الخطوة التالية.
السجال بين موسكو وواشنطن يمتد على مسارح عديدة، وفي حين تكسب الأولى كثيراً من النقاط تبوء الثانية بالفشل، وآخر المواقف كان في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين تلقت واشنطن صفعة مدوية من المجتمع الدولي بسبب موقفها المشين من القدس المحتلة التي اعترفت بها باستكبار وإهانة للمواثيق «عاصمة لإسرائيل»، في ذلك المحفل انحازت موسكو إلى الشرعية الدولية بينما بقيت واشنطن معزولة، ويبدو أن عزلتها ستتكرر في مواقف عديدة، ولن يفيدها التهور أو الاستقواء وترهيب بقية دول العالم وفي صدارتها روسيا.
chouaibmeftah@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى