مقالات عامة

فرص الكرد المهدرة

د. حسن مدن

ما دام الحديث سيدور عن الكرد، كرد العراق تحديداً، يتعين أن نبدأ بالقول إننا مع أن ينالوا، هم وسواهم من كرد المنطقة، ما يطالبون به من حقوق قومية وثقافية، وأن يقرروا مصيرهم بالطريقة التي يرونها مناسبة لمصالحهم، إن كان ذلك في إطار أنظمة فيدرالية في بلدانهم أو في كيانات وطنية مستقلة، ولكن في السياسة بالذات، فإن الأمور إن لم تحسب بمساطر دقيقة، تراعي كل التفاصيل، صغيرها وكبيرها، فإن أي خطوة، حتى لو كانت غاياتها نبيلة، تتحول إلى انتحار سياسي، أو إلى ما يشبهه، فالمسافة شاسعة بين الحلم والوهم، حتى وإن تراءى للرائي أن ما بينهما ليس سوى خيط رفيع.
كما أن التعويل على وعود من الخارج، هو، وكما تدل عديد التجارب، استدراج إلى فخ أو مصيدة، وما أكثر المعارضات العربية التي رهنت قراراتها بإرادة الخارج ظناً منها أن هذا هو الطريق الأسرع للظفر بما تشتهي، فكان أن أدار هذا الخارج ظهره لها، في اللحظة الحرجة، فالسياسة ليست عملاً خيرياً، وإنما هي حسابات ومصالح.
وهذا، بالضبط، ما قاله هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، في معرض رده على لوم وجهه، آنذاك، الزعيم الكردي المرحوم الملا مصطفى البرزاني للولايات المتحدة لتخليها عن دعم الأكراد.
لا يظهر أن خلف الملا مصطفى، ابنه مسعود البرزاني قد اتعظ من تجربة والده، فاندفع بعيداً في خطوته بتنظيم الاستفتاء لاستقلال الإقليم عن العراق، دون حساب كل التعقيدات، جرياً وراء وهم استحوذ على ذهنه وأذهان زعماء كرد آخرين، بأن ما بعد «داعش» هو الفرصة المناسبة لإعادة هندسة العراق، والمنطقة عامة، ما يوفر للكرد فرصتهم في إعلان دولتهم المستقلة، وهكذا أجري الاستفتاء وتوالت، من بعده، النتائج والتداعيات التي نعرف، فخسر فيها كرد العراق الكثير، إن لم يكن كل، ما كانوا قد جنوه من مكاسب خلال عقدين أو ثلاثة، منذ أن تأمنت لهم منطقة الحظر الجوي فترة حصار العراق في عهد صدام حسين.
الانتفاضة الشعبية الغاضبة في إقليم كردستان اليوم، ومن نفس الجمهور الذي صوّت في الاستفتاء لصالح إعلان الاستقلال، هي، في جانب كبير منها، واحدة من ارتدادات ذلك الاستفتاء المرتجل، حين فجّر الوضع الذي نشأ بعده عقدة من التناقضات المستحكمة بسبب استشراء الفساد وسوء الإدارة.
لقد تجمعت في أيادي النخبة المتنفذة في الإقليم ثروات وسلطات واسعة، تضاعفت مرات بعد سقوط النظام السابق، حيث جنت هذه النخبة منافع هائلة من نظام المحاصصة، وبدلاً من توجيه كل ذلك نحو تنمية الإقليم وتطويره، وتعزيز مكتسباته الدستورية في إطار الفيدرالية العراقية، جرى السطو على الثروات العائدة وتحويلها إلى الحسابات الخاصة، وإذ شعرت هذه النخبة بتفاقم الأزمة لجأت إلى مغامرة الاستفتاء فكان ما كان.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى