مقالات عامة

«أعدقاء» أمريكا

خيري منصور

حين أطلق جورج بوش الابن مقولته الشهيرة التي تصنف العالم إلى أخيار وأشرار، ومن ليس معه، فهو بالضرورة ضده، أثار حفيظة كثير من المثقفين في أمريكا وأوروبا ورأوا في هذه المفاهيم انتكاسة كبرى تلحق الأذى بأهم منجزات الحضارة في الغرب، ومنها العقل الجدلي والخروج من نطاق الثنائيات. ومنهم من رأوا في تلك المقولة عودة إلى فلسفات آسيوية قديمة من طراز المانوية الفارسية نسبة إلى مانو الذي جعل الإنسان مخيراً بين أن يكون شيطاناً أو ملاكاً. والحقيقة هي أن البشر ليسوا كذلك، فمنهم من ليسوا ملائكة ومنهم من ليسوا شياطين، ويحاولون ويخطئون ويتوبون ويعتذرون، ويبدو أن مفاهيم اليمين المتطرف في الغرب والتي قدم منها بوش الابن عينة خلال حرب الخليج الأخيرة، تحولت إلى مناخ بحيث شاع استخدام مقولات من هذا الطراز حتى بعد مرور عقد على رحيل بوش الابن من البيت الأبيض.
وما يقوله الرئيس ترامب الآن قدر تعلقه بالتصويت على القدس التي أعلنها عاصمة للدولة العبرية، وقرر نقلها من «تل أبيب» إلى القدس يصب في السياق البوشي ذاته، فمن لا يردد صدى ما يصدر عن الرئيس كالببغاء هو عدو شخصي له وعدو أيضاً لبلاده. والحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، فهناك بُعْدٌ ثالث يخترق هذه الثنائيات الساكنة بل الخاملة، والتي لا ترى من قوس قزح كله إلا الأبيض والأسود، ومن الآخرين جميعاً مجرد أعداء أو حلفاء، ما يذكرنا بذلك الاشتقاق الساخر الذي مزج الأعداء بالأصدقاء في كلمة واحدة هي «الأعدقاء»!
إن ما يصدر الآن من تصريحات في واشنطن يقع على النقيض من الليبرالية ومجمل التحولات التي أدت إلى الاعتراف بحق الاختلاف.
فأين هذه الثنائية الحاسمة والمانوية التي لا ترى الظلال وما بين النقيضين من عبارة فولتير التي حولها الغرب الليبرالي إلى أيقونة، وهي استعداده لأن يموت دفاعاً عن حق خصمه في إبداء رأيه! لهذا فإن هناك ممن يعترضون على سياسة ترامب وقراراته يفعلون ذلك لأسباب تخص حضارتهم ومنجزاتها أولاً.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى