مقالات عامة

في مفهوم الدولة واستقرارها

حسام ميرو

في اللحظات التاريخية التي توضع فيها الدول على محك البقاء، حيث تزداد التهديدات لاستقرارها، يصبح لزاماً على المشتغلين في السياسة والفكر السياسي من صنّاع قرار ونخب وأكاديميين وسياسيين أن يفتحوا أفق السجال حول مفهوم الدولة، طارحين الأسئلة الضرورية على واقع الحال، في محاولة جدية ومسؤولة من أجل إعادة إنتاج فكر وواقع جديدين، لتجاوز الأزمات التي أحاطت بالدولة، وجعلتها في حالة تهديدٍ لوجودها.
لقد عرفت سيرورة الدولة الحديثة في أوروبا جدلاً واسعاً حول ماهية الدولة، وتطوراً واسعاً لجهة فتح المفهوم نفسه على زوايا نظر فكرية متعددة، وقد ترافق تطور الدولة نفسه في خضم تنظيرات هائلة، كان من شأنها أن تنعكس في الدساتير نفسها، والتي أصبحت قوة ثبات للدولة الحديثة، تمنح الدولة والمجتمع والأفراد حالة من الاستقرار، يمكن معها تطوير العلاقات والمصالح، من دون أن تمسّ من مكانة الدولة، أو تهدّد استقرارها.
وإذا كان هيجل (فيلسوف ألماني 1770-1831)، قد وضع تعريفاً متعالياً للدولة معتبراً أنها تمثل «تحقق الفكرة الأخلاقية الموضوعية»، إلا أنه عبر ذلك التجريد الكبير أحال الدولة نفسها إلى الحيّز العقلاني والموضوعي من التاريخ، فهي ليست دولة الفرد، أو الطبقة، بل دولة أعلى من الأفراد والطبقات والمصالح المؤقتة، ومرتبطة بالاجتماع التاريخي على الإقرار بوجود حامل أخلاقي، وهو الحامل الذي سيصبح بعد هيجل مجالاً للنظر من قبل الفكر السياسي، خصوصاً أن تحديد ماهية الحامل الأخلاقي تبقى مسألة مفتوحة على علوم نظرية وإنسانية متعددة، مثل السياسة والاقتصاد والاجتماع، إضافة إلى التطور التاريخي في حيزيه؛ الاجتماعي والاقتصادي.
إن واقع الدولة العربية منذ منتصف القرن العشرين، وعلى الرغم مما يتضمنه من اختلافات في التكّون والتطور بين دولة عربية وأخرى، يتطابق من حيث السعي إلى بناء الدولة الحديثة، والتي سمّيت ب «الدولة الوطنية»، مقترنة بالنخب الحاكمة، والتي حدّدت كل منها الحوامل الأخلاقية والموضوعية انطلاقاً من وعيها ومصالحها، واستناداً إلى ما حازته من قوة، وفرضت بذلك شرعيتها على الدولة، ما جعل الزمن السياسي زمناً ساكناً، تبدو فيه الدولة وجهاً آخر للسلطة، وبتعبير أدق فقد أكلت السلطة الدولة، بعد أن تغوّلت عليها.
وفي حالٍ كهذا، فقد كان من الطبيعي أن يكون كلّ تحدّ للسلطة هو تحدّ للدولة، وأن تكون كل معارضة للسلطة فرصة لتهديد الدولة في كيانيتها، وقد أثبتت وقائع السنوات الأخيرة في عالمنا العربي أن الدولة ككيان متعالٍ لم تكن موجودة، وبالتالي فهي لم تستطع أن تكون مجال الحماية للحوامل الأخلاقية الجامعة لمجموع أفرادها وفئاتها، ما يجعل السؤال حول الإجماع على الحوامل الأخلاقية والموضوعية سؤالاً مشروعاً من حيث وجود تلك الحوامل من عدمه.
إن التطور الكبير والأساسي في مفهوم الدولة الحديثة يتمثّل في اعتبارها كياناً حيادياً، تمثل الدساتير والقوانين التعين الواقعي للحيادية، ولا تبقيها تصوّراً مجرداً، كما أن ذلك التعين عبر أدواته التنفيذية لا يسمح لسلطة أياً كانت أن تكون فوق الدولة، أو فوق المجتمع، بل إن فكرة السلطة تصبح خاضعة للتحول، بل ومرهونة بآلياته الاجتماعية والاقتصادية، وقابلة للتفكيك، من دون أن يعني تفكيكها تفكيكاً أو تفتيتاً للدولة.
إن مأزق الدولة العربية الراهنة هو مأزق طبيعي من حيث سياق الأسباب والنتائج، فما من خيار أمام الدولة الحديثة إلا أن تكون دولة حيادية، على مسافة واحدة من جميع مكوناتها، مؤسسة على الدستور المطابق للدولة الحديثة نفسها، وهو ما يتنافى مع فكرة السلطة المطلقة، مهما كانت تعبيراتها، وبهذا المعنى فإن الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وفي سياق تطورها، لم تكن دولة حديثة، على الرغم من كل البنى الحديثة التي حاولت أن تجمّل واقع السلطة المطلقة، حيث تحوّلت إلى أدوات لخدمة السلطة، والنخب الحاكمة، فاقدة بذلك دورها واستقلاليتها.
إن الفصل التعسفي في العالم العربي بين الدولة ومعطى الشرعية، المتمثل بالشعب، كان من شأنه إضعاف الحوامل الأخلاقية والموضوعية للدولة نفسها، إذ لا يمكن بناء تصورّات قيمية جامعة للمجتمع في ظل غياب المجتمع نفسه عن بناء الدولة، وبهذا المعنى فقد تحولت الدولة إلى كيانٍ متعالٍ بالمعنى السلبي، لا علاقة للمجتمع به، وهو ما جعل الدولة في الوعي الجمعي دولة النخب والسلطة لا دولة المجتمع وأفراده ومكوناته.
إن فتح المجال أمام الاشتباك النظري والسياسي حول مفهوم الدولة اليوم، هو أحد الواجبات الأساسية في سبيل تأمين إعادة إنتاج دولة حديثة، قادرة على بناء حوامل أخلاقية وموضوعية لمكوناتها كافة، في مواجهة التهديدات المتزايدة لاستقرار الدولة في العالم العربي.

husammiro@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى