مقالات عامة

نتنياهو في «العزل الانفرادي»

مفتاح شعيب

حين يوعز رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو إلى حكومته بالانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو»، فهذا تأكيد على أن الإجماع الدولي على رفض السياسات العنصرية «الإسرائيلية» بدأ يؤتي ثماره. وبعد الصفعة العالمية التي تلقاها وحليفته الولايات المتحدة بشأن القدس، كان الأجدر به أن يعلن الانسحاب من الأمم المتحدة وليس من إحدى منظماتها التي أدانت كيانه العام الماضي ونددت بخططه لتهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية في «عاصمة فلسطين الأبدية».
كان متوقعاً أن يخرج نتنياهو عن طوره ويدشن سلسلة من القرارات الاستفزازية رداً على العزلة الدولية التي سقط فيها مدفوعاً بغروره، وهو لا يعلم أنه بخروجه من «اليونسكو» يعود إلى مكانه الطبيعي خارج سياق المجتمع الدولي الحر، كما يقدم خدمة، من حيث لا يحتسب، مفادها أن «دولته» ليست شرعية، وعلى هذا الأساس لا يجب أن تكون في أية منظمة دولية، بعدما اغتصبت أرض شعب عريق وعملت فيه قتلاً وتنكيلاً وتهجيراً. ويبدو أن العالم الذي بدأ منذ فترة ينتصر لضميره بخصوص قضية الشعب الفلسطيني، سيكون في حل من أي التزام تجاه طرف لا يقيم وزناً للمنظمات الدولية وإرادة الأمم المتحدة.
قبل أن يقرر الانسحاب، اتخذ حليفه دونالد ترامب الموقف نفسه في أكتوبر الماضي بسحب الولايات المتحدة من «اليونسكو»، ولا يبدو أن أحداً قد آلمه ذلك الانسحاب، فالمنظمة الدولية ظلت تعمل منحازة إلى ثوابتها والقيم الإنسانية وليس إلى ضد «إسرائيل»، كما زعمت واشنطن سابقاً ويتذرع نتنياهو حالياً. ومن اليونسكو بدأت العزلة الأمريكية – «الإسرائيلية»، وتعمَّقت في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير ضد قرار ترامب حول القدس. فقد أظهر المجتمع الدولي أن إرادته لاتخضع للابتزاز أو الترهيب. وحين وقف العالم أجمع تقريباً أمام خيارين بين الحق والباطل انحاز إلى الحق وأدار ظهره للباطل وأهله. ولن تختفي من الذاكرة مشاهد انسحاب السفيرة الأمريكية نيكي هايلي من قاعة الجمعية العامة بعدما صوتت إلى جانبها، وهي القوة العظمى، دول لا تكاد ترى على الخريطة ولا يسمع بها أحد.
الغرور كثيراً ما يورد إلى مهالك فقدان المصداقية والهيبة والاحترام الدولي. وكيان مثل «إسرائيل» لا يمكن أن يأسف عليه أحد حين ينسحب من «اليونسكو»، بينما يقابل الضحية وهو الشعب الفلسطيني بالحفاوة والترحاب. وفي أوج الغطرسة «الإسرائيلية» تعاظم التعاطف مع الفلسطينيين وأصبحت سلطتهم المستضعفة أكثر إشعاعاً واحتراماً في عواصم الدنيا المختلفة، وبدأت الأبواب تفتح أمامها للعضوية في المنظمات الدولية، وهذا يكسب مزيداً من الشرعية عكس النفور المتنامي من الجانب «الإسرائيلي» الذي سينتهي به المطاف إلى «العزل الانفرادي» دولياً، وهذا المصير قد بدأ فعلياً.
التخبط الذي توحي به سياسات نتنياهو هو الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد، ويبدو أن سباقاً قد بدأ للاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وها هو وزير خارجية سلوفينيا كارل أرجافيتش يصرح بأن حكومة بلاده قررت الاستمرار في إجراءاتها للاعتراف بفلسطين دولة مستقلة وذات سيادة، وعلى هذا النحو انخرطت دول عديدة في حملة واسعة للانتصار للشعب الفلسطيني وربما الاعتذار له على خذلانه عقوداً طويلة، فما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 ديسمبر 2017، هو تاريخ فاصل، وقطعاً لن يكون اللاحق مثلما سبق من تهميش وعنصرية ومظالم.
chouaibmeftah@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى