مقالات عامة

الثوب الفلسطيني

د. حسن مدن

في مطالع الشباب، وربما الصبا المتأخر، وقعت يدي على عدد من مجلة «الطريق» اللبنانية، التي كان يشرف عليها، يومذاك، المرحومان حسين مروة ومحمد دكروب، وكانت هي، بالإضافة إلى مجلة «الآداب» لصاحبها سهيل إدريس، من الدوريات التي تتلقفها أيادينا، نحن الشباب المتعطشين للمعرفة وللفكر الجديد، في البحرين، بين نهاية الستينات ومطالع سبعينات القرن الماضي.
كان ذلك العدد من المجلة مكرساً بالكامل لما عرف يومها بأدب المقاومة الفلسطينية في الداخل، والمقصود بالداخل، الأراضي الفلسطينية التي أقيمت عليها «إسرائيل» بموجب قرار التقسيم عام 1948، وأظن أن هذا العدد بالذات حوى أول حوارين أطلّ منهما كل من محمود درويش وسميح القاسم على القارئ في العالم العربي.
وفي ظل عزلة عرب 1948 عن محيطهم العربي، لم يكن متيسراً وصول أدبهم إلى القارئ في العالم العربي، لكن محمد دكروب التقى في مهرجان عالمي للشبيبىة والطلبة انعقد في صوفيا عاصمة بلغاريا في صيف 1968 بمحمود وسميح وسواهما من أدباء فلسطين الآتين من أراضي 1948، وأجرى معهما، ومع سواهما من أدباء وشعراء آخرين حوارات ضمنها في ذلك العدد من المجلة، فضلاً عن نشره نماذج من إبداعاتهم، كان من ضمنها، على ما أذكر، «سداسية الأيام الستة» لإيميل حبيبي.
زيّنت غلاف ذلك العدد لوحة للفنان التشكيلي الفلسطيني، إسماعيل شموط، لفتاة بالثوب الفلسطيني الأحمر المطرز بكل ما فيه من جمال، فيما جرى تضمين صفحات العدد لوحات أخرى للفنان نفسه، والكثير منها كان يستلهم جماليات هذا الثوب بالذات، وكان هذا أمراً لافتاً، ففي سياق الاشتغال بمفردات الهوية الوطنية الفلسطينية التي بدأ أهلها معركة التمسك بها، وجد الفنان شموط في هذا الثوب، شكلاً وتفاصيل، مادة خصبة لفنه.
استحضرت هذا وأنا أشاهد، قبل ليال، على محطة «فرانس 24» بالعربية تقريراً صُوِّر في مدينة رام الله، انصب على موضوع هذا الثوب، وأجرت معدة ومقدمة التقرير، ليانا صالح، حوارات مع فنانين ومصممين، من الجنسين، مهتمين بجماليات الثوب الفلسطيني وتطريزه، وكان ملاحظاً إجماع كل من التقتهم المذيعة على الصلة بين اهتمامهم هذا ومسألة إحياء والتمسك بمفردات الهوية الفلسطينية، خاصة أن هذا الثوب فريد من نوعه، وتكاد فلسطين وحدها من ينفرد به. وفي أحد تلك اللقاءات جرت الإشارة إلى أنه يعود إلى الكنعانيين أجداد الفلسطينيين، ويلاحظ التقرير أن الجيل الجديد من صبايا فلسطين يعدن إليه، حيث يراعي المصممون الجدد له إدخال لمسات عصرية عليه ليواكب الزمن.
لكل ثوب في فلسطين حكايته: ثوب للفرح، وثوب للحزن، وثالث للأرض، ولكل قرية وبلدة ثوبها، لذلك، يقول المصور الشغوف بتوثيق التراث الفلسطيني، أسامة سلوادي، إن بعض الأثواب فقد أثره مع النكبة، حين هجّر الغزاة أهالي قرى بكاملها، فارضين عليهم ألا يحملوا شيئاً معهم من متاعهم وملابسهم.
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى