مقالات عامة

التنمية في ميزان الأمن القومي

عبد اللطيف الزبيدي

ما هو وزن التنمية في ميزان الأمن القوميّ؟ هذا ما لا يقدّر بأيّ مقياس، لأنه هو الذي يحدّد لموازين القوى قوامها ومعناها، شكلها ومضمونها.سنتّخذ نموذجاً يتمثل في منظومة المشروعات التي خططت مصر لإنجازها في صحراء سيناء.
تنمية سيناء من المنظور الاقتصاديّ، تستطيع أن تلعب دوراً كبيراً في المعادلة التنمويّة العامّة، لأن منطقة الكثافة السكانيّة المهولة، هي أرض الدلتا، التي يوجد بها أكثر من أربعين مليون مصريّ، بينما مساحتها قرابة 10% من مجموع التراب المصريّ (أكثر قليلاً من مليون كم مربّع)، في حين أن شبه جزيرة سيناء تشكل 6% من أرض الكنانة، وليس عليها غير 1.4 مليون مصريّ يقطنون متناثرين 60 ألف كم مربع، أي ستة أضعاف لبنان، بتضاريس صعبة المراس والحراسة.
هنا ندرك هول الفجوات والثغرات الأمنيّة. هل كان على مصر أن تتنبّه لهذا الأمر قبل قرابة أربعة عقود؟ ما جرى ويجري في العالم العربيّ، خصوصاً بعد تحويل ليبيا إلى دولة منحلّة فاشلة موبوءة بفيروسات إرهابيّة لا تحصى، يبرهن على أنه كان من الضروريّ إيجاد خطّة استراتيجية استباقيّة، فتوقيع اتفاقيات السلام، لا يعني قطعيّة زوال الأخطار والأطماع. قبل ذلك بسنين أوصى بن جوريون بأنه «لكي يتحقق لدولتنا الأمن، يجب القضاء على جيوش مصر والعراق وسوريا». هل يُعقل أن يتخلّوا عن وصيّة زعيمهم؟ التنمية تملأ الفراغ، وتسدّ الأبواب التي تأتي منها العواصف والأعاصير. أمام هذه الحاجة الماسّة الحيويّة، تصبح المكاسب الاقتصاديّة موارد جيّدة مفيدة، ولكنها تحتلّ المحلّ الثاني.
مصر لم تكن يوماً في مأمن من دوائر المؤامرات الانتقائية: العراق، سوريا، ليبيا، وكلها دلائل على أن الأمن القوميّ العربيّ لا يتجزّأ، مادامت المخططات تنظر إلى المنظومة كجسم واحد. تغدو التجزئة استهانة بالواقع، كأن يقول كل عضو في البدن الواحد: «أنا أوّلاً». عبثٌ أن ينظر المرء إلى الخريطة العربية على أنها لعبة «بازل»، أجزاء منفصلة مجتمعة بالمصادفة الجغرافية. مصر، العراق وسوريا، دعائم وأركان أساسيّة في البنيان الجيوسياسيّ، وليست هذه شطحات إيديولوجيّة حزبيّة. ما يمكن استخلاصه للعبرة والاتعاظ هو أنّ تأخير التنمية، إهمال لانعكاساته على الأمن القوميّ، مثلما هو سوء التغذية خطر على جهاز المناعة، سواء بسواء، بالتالي فإن نظرة المخططات إلى الخريطة العربية كمنظومة واحدة، تستوجب بالضرورة التنمية البينيّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة المتجدّدة: أكبر عدوّ لدى المخططات هو التنمية، ما يستدعي أن تكون التنمية أقوى حصن حصين.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى