مقالات عامة

الملدوغون مراراً

خيري منصور

للعرب تجارب مريرة على امتداد تاريخهم مع الأكاسرة والقياصرة والأباطرة، الذين استغاثوا بهم من ذوي القربى، بدءاً من امرئ القيس، الذي لاذ بالقيصر واستغاث به ضد أبناء عمومته، فأهداه حلة مسمومة، ما إن ارتداها حتى تقرح جلده، ومات غريباً في جبل عسيب، ومروراً بالغساسنة والمناذرة، الذين عاشوا على تخوم الروم والفرس، وافتدوا دماء الآخرين بدمائهم، وليس انتهاء بالعصر الحديث حين خذل الحلفاء العرب وتقاسموا بلادهم في معاهدة «سايكس – بيكو»، وما أعقبها من مسلسل الغنائم.
والعرب الذين أوصوا أبناءهم وأحفادهم قائلين: «ما حك جلدك مثل ظفرك»، كانوا على دراية بما سوف تؤول إليه الحال، إذا استبدلوا الاستغاثة بالمعتصم كما فعلت تلك الأرملة العربية في معركة عمورية بآخرين من غير أبناء جلدتهم.
لقد بكى امرؤ القيس بعد فوات الأوان، وقال لصاحبه إنهما سيقيمان في جبل عسيب إلى الأبد غريبين؛ لأن كل غريب للغريب نسيب!
فالقوي الذي يفتح الأسوار والبوابات لمن يستجير به ليس مجرد فاعل خير أو تتجسد فيه قيم الإيثار والفروسية؛ بل له استراتيجيته وأطماعه، وما إن يتغلب على خصومه حتى يتمدد؛ ليقضم من تصوروا أنهم حلفاؤه وأنداده.
إنها علاقة التماسيح بالطيور الضعيفة، التي تتجول بين أسنانها المنشارية، وتنظفها مقابل ما تيسر لها من فضلات. وما من ضمانة على الإطلاق بألّا يطبق التمساح فكيه على حليفه الصغير، ومن صدقوا أن التماسيح تبكي لم يكن لديهم من العلم ما يكفي لاكتشاف حقيقة هذه الدموع، فهي مجرد إفرازات عضوية؛ لتسهيل عملية الهضم!
ومن لدغوا من الجحر ذاته مراراً كان لزاماً عليهم أن يتلقحوا ضد تكرار اللدغ، وأفضل أمصال لترسيخ المناعة والوقاية هي قراءة التاريخ وما بين سطوره.
فما أشبه الليلة بالبارحة. وما يتبدل هو التقاويم والأسماء فقط.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى