مقالات عامة

أيقونات

يوسف أبولوز

كان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي مسكوناً دائماً بفكرة المنفى والرحيل (أي السفر) من مدينة إلى مدينة، متأملاً، دائماً، السر الوجودي في شخصيات هذه المدن، مثل تأمله في سر الشخصيات الصوفية والتاريخية التي وظفها في شعره مثل الحلاج والنفرّي، وجيفارا، لكن الماثل بقوة وباستمرار في ذات البياتي الوجودية هو امرأة أو صورة امرأة دائمة الحضور في شعره: عائشة.
من هي عائشة البياتي هذه؟ لا أحد يعرف أي تفاصيل عن هذه المرأة الغامضة التي قد تكون امرأة متخيلة، فهي كما كان يبدو موجودة فقط في الشعر وليست موجودة في الحياة.
ذات مساء عماني صيفي يلحّ كاتب هذه السطور على «أبوعلي» من هي عائشة؟ هل هذا هو اسمها الحقيقي؟ هل رأيتها أو قابلتها في بغداد أم في القاهرة أم في موسكو؟ وهي مدن البياتي إلى جانب دمشق التي مات ودفن فيها بالقرب من قبر ابن عربي كما كان يريد أن يدفن.
كل ما فعله «أبوعلي» الصديق والجميل بصمته وغورقة الدموع الفضية في عينيه أن أظهر بسرعة صورة امرأة مثل تلك الصور الصغيرة التي تستخدم لجوازات السفر، ثم أعادها بسرعة إلى محفظته.. من دون إتاحة برهة زمنية لمعرفة ملامح المرأة.
لا يهم أن تكون عائشة من لحم ودم، فالمهم أنها أيقونة في شعر عبد الوهاب البياتي، وهي في شعره مثل الظل الأخضر في اللغة، وفي الكتابة.. أحياناً يختفي هذا الظل، وأحياناً يظهر، كأنه دائماً بين النور والعتم.. أو بين الغسق والشفق.
جعل عبد الوهاب البياتي قراء شعره يعتبرون كل امرأة اسمها عائشة هي عائشة تلك الموجودة في شعره، ولكن، هذا بالطبع غير صحيح، ففي العالم آلاف أو مئات الآلاف من النساء يحملن اسم عائشة.. لكن واحدة منهن فقط هي عائشة البياتي.. التي تحولت إلى نقطة ضوء في العالم.
ثمة نقاط ضوء أخرى موجودة في الشعر مثل الأيقونة البياتية «عائشة».. بابلو نيرودا له أيقونته «ماتيلدا» ولويس أراغون له أيقونته «إلزا» واتخذ بعض الشعراء من اسم «فاطمة» أيقونة شعرية، وكانت «جميلة» أيقونة الشاعر رزق أبوزينة، وكل شاعر كان يقع في الحب كانت تنتظره أيقونته.
هل بعض هذه النسوة متخيلات أم حقيقيات، وكم من الشعراء مازال بعضهم يحتفظ بصورة صغيرة بالأبيض والأسود في محفظته الجلدية، وقد تهرأت أطراف الصورة كما تهرأ قلب الشاعر.. الذي حول المرأة إلى لغة، أو أنه حول اللغة إلى امرأة، وفي الحالين هو الحب الذي يجعل الدموع تبدو مثل الفضة الساخنة في عيني عبد الوهاب البياتي.Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى