مقالات عامة

بزوغ فجر الـ «باكس تكنيكا»

جون ثورنهيل *

في نقاش عام جرى قبل سنوات في سويسرا، سأل أحدهم عما إذا كنا غير واقعين في عبودية طوعية لأساطين الرقمنة، مدفوعين بدفق «الدوبامين» (مادة كيميائية في الدماغ) الناجم عن آلاف «التغريدات» و«اللايكات» و«السوايبس».
وإذا كنا قلقين بالفعل من خضوعنا التكنولوجي اليوم، فماذا سيحدث خلال المرحلة التالية من تطور الإنترنت، عندما تأتي المليارات من الأجهزة المتصلة عبر الإنترنت؟ فقد تكون الساعات والملابس والسيارات والمساعدات الرقمية تلبي كل احتياجات الراحة لدينا، ولكنها سوف تراقب أيضاً كل لحظة من حياتنا اليومية.
فهل تقدم «إنترنت الأشياء» هذه على تحريرنا أم استعبادنا؟. السؤال هو العنوان الفرعي لكتاب يسمى «باكس تكنيكا» ألفه فيليب هوارد، وهو أستاذ في معهد أكسفورد للإنترنت. كما كان موضوع المؤتمر الأخير في مركز البحوث في الفنون والعلوم الاجتماعية والإنسانية في جامعة كامبريدج.
يجادل هوارد بأن إنترنت الأشياء آخذ في الظهور كأقوى أداة سياسية اخترعت على الإطلاق، لتتحدى – وفي بعض المناحي تحل محل – سلطة التنظيم السياسي والدولة الوطنية الممتدة منذ 500 سنة الماضية.
وكتب هوارد يقول: «بحلول عام 2020 سيكون هناك نحو 30 مليار جهاز متصل بالإنترنت، وستبقى السلطة السياسية على 8 مليارات نسمة على كوكب الأرض في يد الأشخاص الذين يسيطرون على تلك الأجهزة».
ويشير هوارد إلى أنه من المرجح أن تتطور ثلاثة أنظمة متمايزة في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، تشكلها الضغوط التجارية والأطر التنظيمية المختلفة، بينما يصبح بقية العالم متلقين بدلاً من كونهم واضعي القوانين في هذه اللعبة التكنولوجية الكبيرة. وسوف يتسع التباين المعلوماتي بين إمبراطوريات البيانات والمجتمع المدني إلى هوة.
وعلى حد تعبير ديفيد رونسيمان، أستاذ السياسة في جامعة كامبريدج، فقد تنقلنا الـ «باكس تكنيكا» نحو «حكومة الأشياء من قبل الأشياء ولأجل الأشياء».
في الوقت الراهن، الحمم التكنولوجية منصهرة بما يكفي لتوجيهها في الاتجاهات التي نرغب، ولكن هذا يتوقف علينا جميعاً أن نولي اهتماماً مكثفاً بسياسات المعلومات والبروتوكولات الهندسية ومعايير الاتصالات السلكية واللاسلكية. وفي نهاية المطاف فقد تكون هذه التفاصيل التنظيمية أكثر أهمية بكثير في تشكيل مستقبلنا، من الاضطراب الناجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

* كاتب مختص في شؤون التكنولوجيا – فاينانشال تايمز

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى