مقالات عامة

كل عام وأنت بخير أيتها المرأة

عائشة عبد الله تريم

ها هو العام يدنو من نهايته المحتومة. ولو عدنا إلى الوراء بأذهاننا وتوقفنا في محطات نقشت في رزنامة الأيام، للاحظنا أن العام الذي يجر أذياله للحاق بأخوة سبقوه، قد حفر في التاريخ مواقف وأحداثاً وقعت في زمن قياسي، مقارنة مع غيره من الأعوام، فمن النادر أن تحدث تحولات كثيرة في غضون اثني عشر شهراً فقط.
لقد عرفت المرأة في عام 2017 إنصافاً ما بعده إنصاف، حين جرى انتخاب رجل يحمل في سجله قضايا تحرش جنسي وصوراً التقطت له وهو يتبجح بألفاظ مقيتة عن المرأة، ويبيح للرجال من ذوي النفوذ العبث بحريتها وكرامتها.
نعم، فحين أنتخب دونالد ترامب ليكون الرئيس الخامس والأربعين لبلاد الحرية والأحرار، قامت احتجاجات كثيرة، كان أهمها تلك المسيرة النسائية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في يوم الحادي والعشرين من شهر يناير الماضي، أي بعد أداء الرئيس اليمين الدستورية بيوم واحد فقط.
وسواء رضينا أم لم نرضَ، فإن دونالد ترامب قد أحدث في أمريكا تضامناً نسوياً لم تشهده البلاد منذ حركة «سافراغيتس» في مطلع القرن العشرين التي طالبت المرأة فيها بحقها في التصويت. فمنذ اللحظة التي خرجت فيها المسيرة النسائية، بدأ العالم يشعر بتحرك في المجتمع النسوي، وفجأة، أصبحت المرأة مدركة لنتائج هذا النوع من التحرك، ولم يعد الرجل يميز نفسه وعلم أن المطالبة بالمساواة بين الجنسين لا تخص المرأة وحدها، ولكنها مطلب إنساني وحق لا بد من أن يدافع عنه الجميع.
إلى ذلك، طرحت نشرات الأخبار العالمية خلال عام 2017، قضايا كثيرة ساهمت في النظر إلى المساواة بين الجنسين من زاوية أخرى، مثل قضية الفرق في الأجور، العنف ضد المرأة، والتمييز بين الذكور والإناث في الوظائف.. ومصطلحات كثيرة كانت النظرة إليها غير واقعية حتى عام 1970 حين وقع الانفجار النسوي في الولايات المتحدة. وها أن العام الحامل معه رزمة من الأحداث، ينهي جولته في مواقع التواصل الاجتماعي ب «هاشتاغ» لكلمتين شكلتا إشارة شرف لدى ملايين النساء في بقاع الأرض، «MeToo #» أو «أنا كذلك». «هاشتاغ» استخدمته الممثلة أليسا ميلانو في مواقع التواصل الاجتماعي، داعية من خلاله إلى محاربة المخرج والمنتج الهوليودي هارفي وينشتاين، فتدفقت تغريدات وتعليقات من آلاف النساء أشرن بها إلى تعرضهن للتحرش الجنسي.
كم من قصص صبت في بوتقة ذلك «الهاشتاغ»، قصص من شتى أنحاء العالم دلت على أن التحرش الجنسي أشبه بوباء يفتك بالملايين من النساء والفتيات القاصرات في العالم يومياً.
لقد أسكت الانتشار الهائل ل «هاشتاغ» #MeToo كلَّ الألسن التي تختلق أعذاراً ليغشى القضية ضباب يحجبها عن الملأ، ولم تعد المرأة التي تتعرض إلى التحرش تخشى الفضيحة وهي الضحية، واعتبر التحرش سلوكاً إجرامياً مرفوضاً كما هو في الواقع.
من ناحية أخرى، اختارت مجلة «تايم» النساء اللاتي تحدثن عن المسيئين من الرجال، وهنَّ نساء من مختلف الأعمار والجنسيات والمهن، ليكنَّ «شخصيات العام»، بعدما حطمن جدار الصمت، وساعدت أصواتهن على دفع عجلة الحركة النسائية قدماً بعد طول ركود..
بالمقابل، شهد العام 2017 غياب أسماء كبيرة ومناصب كثيرة، والسلطة التي هي طموح الكثير من الرجال الذين فقدت شرعيتها، فأعاد هذا العام تعريف صفات رجل السلطة مجدداً.
ومع أن الذكورية التي فرضت نفسها على العنصر الأنثوي منذ فجر التاريخ لم تتغير، لكن بدا الناس في العصر الحديث أكثر استيعاباً لسلبياتها، ومع أن هذه السلطة قد تسللت إلى المجتمع المدني عبر دروب ضيقة وملتوية، ووصلت إلى المجالس الدولية متوارية خلف العديد من الأقنعة، ومعللة وجودها بالكثير من الأسباب، لكن النساء شعرن بها في كل مكان، حتى الفتيات في أثناء ذهابهن إلى المدارس، وفي أماكن أخرى يفترض أن تكون مصدر حماية لهن.
لطالما ظنت الأنثى أن الرجل غير قادر على فهم ذلك الشعور المقيت الذي يجتاحها كلما فكرت في أنها ليست أكثر من تكملة عدد، أو في أنها مثار للسخرية والتهكم. وحتى عهد قريب، لم تكن الأنثى قادرة على التعبير عن مشاعرها، لأن العالم كله كان يسير في هذا الاتجاه.
ولكن هذا الأمر لا ينبغي أن يستمر ولن يستمر، فالتقاليد التي أغلقت أفواه النساء سنوات طويلة في طريقها إلى الزوال، وسيفتح الباب على مصراعيه أمام قوة من ضبط النفس وصراخ ضد الظلم عمرهما أكثر من ألف سنة.
لقد كان عام 2017، عام معرفة قدر المرأة ورفع الظلم عنها، وقد أصبح لديها القوة لتمضي إلى الأمام، ولا تلتفت إلى الوراء أبداً. كل عام وأنت بخير أيتها المرأة في جميع أنحاء العالم.

aysha_t@gulftoday.ae

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى