مقالات عامة

على أوروبا أن تستقل

د. حسن مدن

ما من رئيس أمريكي وضع أوروبا أمام تحدي أن تكون لها سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية، كالرئيس الحالي دونالد ترامب، حيث وجدت الدول الأوروبية نفسها، بما فيها تلك الدول صاحبة الكلمة الفصل مثل فرنسا وألمانيا، في وضع لا يمكنها فيه ممالأة ترامب، أو غض النظر عن الكثير من التوجهات التي يسلكها والقرارات التي يتخذها، واضعاً العواصم الأوروبية أمام أمر واقع، يلحق الضرر بمصالحها من جهة، وبصدقيتها من جهة أخرى إن هي صمتت عما يفعله.
وهذا ينطبق حتى على دولة أوروبية مثل بريطانيا التي كانت، في الغالب، الحليف الموثوق أكثر من سواه لواشنطن، والشريك الضالع في الكثير من القرارات والسياسات الأمريكية، حيث يجد رئيس الوزراء البريطاني الحالي نفسه في وضع لا يمكنه فيه إلا إبداء الاعتراض على سياسات البيت الأبيض، كما حدث مؤخراً مع قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة، واعتبارها عاصمة ل«إسرائيل».
ويحدث ذلك مع أن الوحدة الأوروبية هي اليوم في أسوأ حالاتها، بالقياس مع ما كانت عليه قبل سنوات، فمن جهة اختارت بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فيما يتوعد اليمين العنصري الصاعد في بلدان أوروبية أخرى بأن يحذو الحذو نفسه في حال وصوله إلى الحكم في أي بلد، وهو احتمال قائم، حكماً من مؤشرات الانتخابات التشريعية التي جرت في العامين الماضيين في أكثر من بلد أوروبي، وكشفت عن صعود هذا اليمين العنصري.
حين أعلن عن الوحدة الأوروبية مطلع تسعينات القرن الماضي نشأت هواجس في الولايات المتحدة من أن تؤدي هذه الوحدة إلى نشوء قوة ضاربة بأذرع عسكرية تنافس الولايات المتحدة في دورها القيادي في العالم، لكن التجربة أظهرت أن تلك هواجس مبالغ فيها، فأوروبا، عامة وإن لم يخل الأمر من استثناءات، كانت زاهدة في لعب دور قيادي مدعوم بالقوة العسكرية، عالمياً، ولدى دافعي الضرائب الأوروبيين مزاج رافض للمغامرات العسكرية، هم الذين اعتادوا برامج الرعاية الاجتماعية المريحة.
نجحت واشنطن في أن تقيم تقسيماً للمهام بينها وبين أوروبا، بموجبه يقوم الأمريكان بطهي العشاء ويقوم الأوروبيون بغسل الصحون، كما وصف ذلك صحفي أمريكي يدعى روبرت كاجان، واستمرأت أوروبا هذا الدور حتى غاب صوتها المستقل في السياسة الدولية، حيث بدت في صورة التابع الذليل للسياسة الأمريكية.
لكن هذه التبعية كانت تحكمها حدود دنيا من الضوابط، وما فعله ويفعله ترامب هو ازدراء هذه الضوابط وتجاهلها، وفق شعار حملته الانتخابية «أمريكا أولاً»، وهو شعار انعزالي لا يقيم وزناً للحلفاء، ما وضع أوروبا في وضع حرج يرتب عليها مسؤوليات عدة أمام العالم.
يبدو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من سواه شعوراً بهذا التحدي، وأكثر الآخرين رغبة في أن تسلك فرنسا، وبالتالي أوروبا، نهجاً أكثر استقلالية عن واشنطن.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى