مقالات عامة

الحرب و«الساونا».. باردة ساخنة

عبد اللطيف الزبيدي

هكذا تكلم قائد البحريّة الأمريكيّة: «إن الحرب مع روسيا مقبلة لا محالة». هل يمكن أخذ ما قاله الجنرال روبرت نيلر على أنه «كذبة نيسان» متأخرة، كصدمة وترويع يجعلان العالم يستقبل العام الجديد بأشباح حرب عالمية؟
عندما يدلي أحد كبار القادة العسكريّين بهذا المستوى العالي من التصريح الصريح، فلا يُعقل أن يكون بيانه زلّة لسان وسهواً وتمرّداً على القرار السياسيّ، وخفايا الاستراتيجيّة المخطط لها من الألف إلى الياء. المسلّم به في الشؤون الحربيّة، هو أن إعلان الفعل يعني أنه تمّ الإعداد له وانتهى الأمر، ووُضع ألف حساب لكل احتمال. القوّة العظمى لا ترسم خطّتين: الألف والباء، فالخطط البديلة تتجاوز حروف الأبجديّة. على الذاكرة العودة إلى كيسنجر أيضاً: «من لا يسمع طبول الحرب فهو أصمّ».
هذه نقلة نوعيّة. القوى الكبرى، حين تنشب بينها الحرب الباردة، تتسلى بألعاب الحروب بالوكالة، أي جرّ بلدان أو أطراف أخرى حليفة إلى دخول ساحات الوغى بدلاً منها، تجلس هي في الكواليس وتجرّب أسلحتها وعتادها وأساليب التدريب والكفاءات القتاليّة. الضحايا ليسوا ضحاياها، والدمار ليس في ديارها، ولكن النصر لها والهزيمة عليها. ههنا الحساب العسير. القوى العظمى لا تقبل الانهزام، فيصعد الصراع إلى مستوى أعلى، إلى ملتقى الجمعين في صدام مباشر. تصبح حلبة المليون كم مربّع، كأنها شبر مربّع، تمسي الساحة الدوليّة هي ميدان الصراع. تنتفي عندئذ كل مفاهيم الحدود والتراب السياديّ للبلدان، تغدو السيادة سياجاً قزماً تركله الجحافل وتمرّ، وما على جيوش الدول الصغيرة إلّا أن تنفّذ خطط القوّة الكبرى التي تأتمر بأمرها، كأنها كتيبة أو سرية، لا غير.
الناطق بلسان مشاة البحريّة، على عادة التحرير الإعلاميّ، حاول التخفيف من حدّة تصريح قائده، معلّلاً القنبلة بأن الهدف رفع الجاهزيّة حتى لا تصاب القوات بالترهّل. التهديد والوعيد مألوفان في المساومات والمفاوضات، لدعم أوراق القوّة على الطاولة. الطرفان يلعبان هذه اللعبة، لكن الأصل باقٍ ولا يمكن استبعاده.
نحن نرى أن الضغط العالي يزداد في الشرق الأوسط، وينتقل إلى مناطق أخرى، وغافل من يستثني احتمال الانفجار إذا استمرّ عدم التوصّل إلى حلول. بوتين أيضاً أوصى العسكريين الروس بضرورة تحقيق القوّة المطلقة. هل يمكن الركون إلى أن تكافؤ الردع مفتاح السلام؟ ما معنى القناعة بحلم السلام في عالم لا يعرف التخاطب إلّا بالحرب؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الارتياحيّة: كانت القوى الكبرى تقول عن حروب العالم الثالث «فخّار يكسّر بعضه»، إذا اندلعت الحرب الكبرى، سنقولها نحن.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى