مقالات عامة

قوة منزوعة العدالة

خيري منصور

هل أصبح العالم بعد ما يقارب العقود السبعة، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية بحاجة إلى إعادة نظر في صلاحية مواثيق وأعراف أصبحت عاجزة عن تحقيق التوازن وإضافة العدل إلى القوة؟ فما يحدث الآن وهو حصاد ما بعد الحرب الباردة يطرح أسئلة مشروعة حول أسباب الخلل الذي يشكو منه نسيج العلاقات الدولية. وهناك مسافة لا يصعب رصدها بين ما يقال وما يمارس ميدانياً والتي يعبر عنها بازدواجية المعيار سواء كان سياسياً أو أخلاقياً.
كما أن هناك من الوقائع التي طرأت على العالم منذ مطلع هذا القرن هي أشبه بطبعة جديدة ومنقحة من معجم المصطلحات السياسية، ومنها مصطلح السيادة الذي فقد دلالته الدقيقة ولم تحل حتى القوانين والأعراف في وضع حد لتدخل القوى الكبرى في شؤون وشجون الدول الأخرى، سواء تم ذلك باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان أو تحت أي ذريعة يمكن تلفيقها بأثر رجعي لتبرير حروب لكن بعد أن تضع أوزارها ومنها على سبيل المثال الحرب الأنجلو أمريكية على العراق واحتلاله، ما دفع بعض الباحثين الاستراتيجيين من الغرب ذاته إلى اشتقاق مصطلح جديد هو الشرعية المستدركة، أي تنفيذ التدخل العسكري ثم البحث عن مبررات له!
وإذا كانت عصبة الأمم هي المسودة الأولى لما تمت صياغته فيما بعد تحت عنوان منظمة الأمم المتحدة، فإن الحصيلة في الحالتين هي تنحية العدالة لصالح القوة، ولم يكن «الفيتو» أو حق النقض إلاّ التعبير الدقيق عن استحقاقات الأقوياء على حساب الضعفاء، والمسألة في نهاية المطاف ليست أخلاقية، لأن السياسة بما تمتاز به من الذرائعية والبراجماتية وتغليب المصالح على المبادئ لها منظومة قيم أخرى، وإذا استعارت من القيم بمفهومها الأخلاقي والكلاسيكي بعض المواقف، فذلك غالباً ما يأتي على طريق الحق الذي يراد به باطل!
وحين تلوّح قوة عظمى وذات نفوذ على الصعيد الكوني بالعقاب والثواب، فذلك معناه باختصار أن شريعة الغاب قد عادت إلى هذا الكوكب بعد مرور عدة ألفيات كدحت خلالها البشرية كي تتحرر من التوحش والاحتكام إلى القوة فقط!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى