مقالات عامة

كتاب في مترو الأنفاق

د. حسن مدن

قبل أسابيع نشر الموقع الإلكتروني لمحطة «آر تي» باللغة العربية تقريراً عن صورة فوتوغرافية، قال إنها أشعلت العالم، حيث حققت شعبية واسعة على «فيسبوك»، فخلال أسبوع واحد نالت الصورة 22 ألف إعادة نشر وآلاف التعليقات من مختلف أنحاء العالم.
وتظهر الصورة عدداً من ركاب عربة في مترو أنفاق موسكو، وهم منهمكون في قراءة الكتب والصحف، رغم أن العربات مزودة بخدمة الإنترنت، ما يعني أن الركاب اختاروا القراءة طوعاً.
ولمن عرفوا موسكو قبل ثورة الاتصالات، فإن هذا المشهد مألوف تماماً، حيث عرف عن الروس شغفهم بقضاء الأوقات الطويلة التي يستغرقها منهم التنقل عبر «المترو» في مدينة واسعة مترامية الأطراف بالقراءة، بما في ذلك قراءة الأدب، لكن رغم حال الاندهاش التي أثارتها الصورة لدى من شاهدها خارج روسيا، يتعين القول إن الأمر لم يعد كما كان عليه قبل عقدين أو أكثر، فسكان موسكو، شأنهم شأن مستخدمي المواصلات العامة في مختلف عواصم ومدن العالم، باتوا أسرى هواتفهم الذكية، التي لا تفارق أياديهم، ولم تعد كبيرة نسبة من لا يزالون يمسكون بكتاب أو جريدة كبيرة، لو قيست بعدد أولئك الركاب المنشغلين بهواتفهم.
لكن السجال الذي أثارته تلك اللقطة طرح مجدداً مصير الكتاب، والقراءة عامة، في عالم اليوم الذي تستحوذ عليه التقانة، التي، على فضائلها الكثيرة التي يجنيها منها الإنسان، تسهم، حتى من حيث لا نريد ولا نعي، في تقليص عوالمنا الروحية.
قبل عام تقريباً نشرت صحيفة «المدى» العراقية مقالاً للدكتور محمد الربيعي يلاحظ فيه أنه «من الشائع أن ترى الناس في بغداد يحملون «آي فون» ويراجعون «الفيسبوك»، وينظرون في عناوين الكتب والصحف، ولكنك لا ترى في أيديهم كتاباً أدبياً أو علمياً أو تاريخياً أو اجتماعياً، وما إلى ذلك، أو حتى صحيفة أو مجلة».
والحديث هنا يدور عن عاصمة كان يضرب بها المثل في القراءة، أي بغداد، حين قيل، وبصورة تعوزها الدقة: إن القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ، ومع أن بيروت وبغداد مثلهما مثل القاهرة تكتبان، والقاهرة وبغداد مثلهما مثل بيروت تطبعان، والقاهرة وبيروت مثلهما مثل بغداد تقرآن، ولكن الفكرة هنا، هي الإشارة إلى ما عرف به العراقيون من شغف بالمطالعة والقراءة.
إذاً، حتى في بغداد هذه، يتساءل الدكتور الربيعي: «كم من أستاذ جامعي وطبيب ومهندس وأديب وحامل شهادة عليا لا يقرأ إلا الفيس ولا يعرف من الكتب إلا الكتب«الرسمية» وملفات العمل والتقارير؟».
طبعاُ، لا يصح التعميم، ولكن هذه صرخة تحذر لا من الانصراف عن القراءة، وإنما من الانصراف نحو قراءات سهلة، عجلى، لا تنتج معرفة، ولا توسع أفقاً، ولا تُكوّن وعياً، ولعل في هذا، وضمن أسباب أخرى معقدة، أحد أسباب تردي الوعي حوالينا.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى