مقالات عامة

بعد أن تضيع القدس

حسن العديني

ليست شخصية ترامب المتهورة، ولا مأزقه في تهم وتحقيقات تطوق عنقه؛ حول تدخل روسي؛ لإنجاح حملته الانتخابية، ولا فضائحه دفعته إلى أن يشتري بالقدس نفوذ اللوبي اليهودي؛ كي ينقذه من سيف القانون؛ هذه سباحة في بحر مغالطات، دأبت عليها الأنظمة العربية؛ لتبرير العجز أو تغطية التواطؤ.
ربما ساهم مأزق ترامب في التعجيل بالقرار؛ لكنه في أرجح الظنون، كان سيصدر من أي جالس في البيت الأبيض بين عامي 2017 و2021؛ بعد أن نضجت الظروف فلسطينياً وعربياً.
ولا بأس من الاعتراف بالمسؤولية عن التقصير والاستخفاف، أو أننا كنا في واقع الأمر نخون أنفسنا- دون أن ندري- حتى لا أقول إن البعض وقع في الشبهات عن علم وإدراك.
لا بأس من الاعتراف؛ لكي لا نعفي أنفسنا، ونذرف الدموع؛ لأن أمريكا غدرت بنا، كما لو أننا وقفنا على ما كان مجهولاً، وهو أن «إسرائيل» حاملة طائرات أمريكية يحتل أمنها الأولوية المطلقة في استراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط.
وكانت البندقية أخرجت القضية الفلسطينية في يناير/كانون الثاني 65 من دهاليز الدبلوماسية إلى ساحة السياسة مسلحة بالقوة، وحولتها من مشكلة لاجئين يحتار العالم في أمرهم إلى قضية شعب يستحق وطنه؛ لكن للأسف فمن ساعة مقدمها البهي، وقعت الثورة الفلسطينية في مطب التجاذب الأيديولوجي والانقسام العربي.
تلك هي الثغرة الأولى في الجدار الفلسطيني. والثغرة الثانية، أن منظمة التحرير فشلت في إدارة علاقاتها في البلدان، التي اتخذت منها منطلقاً للعمل الفدائي، فانتهى وجودها في الأردن إلى «أيلول الأسود»، وفي لبنان إلى غزو «إسرائيلي» مرحب به من أطراف لبنانية.
وأما الأنظمة العربية، فقد استخدمت القضية الفلسطينية؛ لإدامة سلطاتها أكثر مما ساندت شعبها، وعلى ساحتها دارت مغالبات ومزايدات قادت إلى هاوية 1967. وحتى بعد انتصار أكتوبر/تشرين الأول، أدارت الأنظمة ظهرها للفلسطينيين بقرار للقمة العربية في 1974، اعتبر منظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً. وكذلك ترك العرب الفلسطينيين يواجهون مصيرهم بلا ظهير يساندهم، ولا جدار يحميهم، وذهبوا إلى تسويات منفردة، وعلاقات مع العدو بعضها كان معلناً، بينما خفي أكثرها..
وحيث تصطلي الشعوب وترتجف الحكومات؛ فقد آن أوان الجريمة؛ أكان الجالس في البيت الأبيض ترامب الطائش أو هيلاري اللئيمة. جاء الرد الهزيل في بيان لوزراء الخارجية العرب- سوف تعيد قمة عمّان صياغته – يسكب الدموع؛ إرضاءً وإلهاءً للشعوب. أما صورة الغضب، فقد بدت في ملامح الرئيس التركي، الذي سارع إلى الدعوة لقمة إسلامية، خلصت إلى إعادة اكتشاف ما عرفه الوزراء العرب؛ بأن أمريكا لم تعد وسيطاً نزيهاً بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين»، وإن كان بعضهم قد خرج- في اليوم التالي- يُصرح بأن الولايات المتحدة جادة في العمل على «حل الدولتين».
والمخجل أن جدول أعمال اجتماع وزراء الخارجية العرب لم يتضمن مقترحاً بممارسة ضغوط اقتصادية على أمريكا، ولا بإلزام الدول التي تقيم علاقات مع «إسرائيل» بقطعها. كذلك لم يقترح أردوغان «الغاضب» قطع علاقات دول إسلامية تعترف بـ«إسرائيل»، وتبادلها الغرام والمصالح.
وحده الشعب الفلسطيني ناب عن المسلمين والمسيحيين في أرجاء الدنيا، ونهض ينطح الصخر؛ دفاعاً عن الأرض المقدسة.
وبعد هذا.. بعد أن تضيع القدس، ستنتقل «إسرائيل» إلى الهدف المؤجل الدولة العرقية الخالصة.. وتسفير «عرب 48» في رحلة أخرى قد تطول..
لكن العالم سيتغير، ويأتي الغد الذي يصحو فيه العرب، ويسترجعون فلسطين السليبة، وتعود القدس عاصمة لها مثلما كانت، فليس للتاريخ خاتمة، غير أن تموت الحياة على الأرض.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى