مقالات عامة

جبال النوبة.. وعد المستقبل

فيصل عابدون

يخلط كثير من إخوتنا العرب بين أبناء قبائل النوبة في منطقة الجبال الـ 99 الواقعة في الجنوب الغربي للسودان وقبائل النوبيين المنتشرة على الشريط النيلي في الشمال والممتدة حتى داخل الجنوب المصري. وهو خلط يفرضه تطابق التسمية بين أبناء المنطقتين المتباعدتين جغرافياً، لكنه لا يبتعد كثيراً عن الحقيقة حيث إن هناك دراسات أنثروبولوجية ذات مصداقية تؤكد الأصل العرقي المشترك لبعض قبائل النوبة في منطقة الجبال مع النوبيين في الشمال نتيجة لهجرات تاريخية قديمة خاصة قبيلة «النمك» أكبر قبائل الجبال.
تقع منطقة جبال النوبة في الجزء الأوسط من جنوب غرب السودان وذلك في خطي طول 29 و31 درجة شرقاً وخطي عرض 12 و 30 درجة شمالاً. تبلغ مساحة المنطقة 30 ألف ميل مربع، أي ما يعادل مساحة اسكتلندا. وهى منطقة سافانا غنية تهطل فيها أمطار صيفية غزيرة تروي الأرض بالمياه العذبة التي تكفي لري المحاصيل الزراعية خلال الموسم الزراعي في الخريف. ويقطن جبال النوبة ما يقدر بحوالي ثلاثة ملايين نسمة والإحصاءات المتوفرة غير دقيقة نسبة لنزوج السكان المكثف خلال فترات الحروب التي توالت على المنطقة..
وتمتد الجبال على مساحة ٩٠ كيلومتراً ويصل ارتفاعها إلى ١٥٠٠ متر، ويبلغ عددها 99 جبلًا بعدد قبائل المنطقة، وتغطي منطقة جبال النوبة مساحات زراعية شاسعة، تمثل نسبة ٣٥% من أراضي السودان الصالحة للزراعة.
ومنطقة جبال النوبة هي سرة السودان وسر تنوعه وحيويته وهي وعد المستقبل لما تحويه من أراض شاسعة صالحة للزراعة ومراع تمتد على مد البصر وأحواض للمياه الجوفية ومواسم الأمطار التي تستمر خمسة أشهر في العام.
كما أنها مستودع الجندية السودانية منذ نشوء الممالك القديمة، وانتصر أبناؤها للزعيم الوطني محمد أحمد المهدي ثم شكلوا من بعده القوة الضاربة لجيش الإمبراطورية البريطانية وحاربوا في أنحاء العالم المختلفة وتركوا بصماتهم بشكل خاص في دول شرق إفريقيا- كينيا- أوغندا- تنزانيا- حيث لا يزال أحفادهم يعيشون هناك.
وشكل أبناء النوبة أيضاً العمود الفقري للجيش الوطني بعد الاستقلال وحاربوا مع زعيم المتمردين الجنوبيين جون قرنق إبان الحرب الأهلية. محاربون شديدو المراس وأصدقاء أوفياء كرماء. قال عنهم المصور الرحالة جورج روجير في عام 1949: «عندما غادرنا جبال النوبة، أخذنا معنا ذكرى لشعب مضياف ومغوار ورحيم».
إن جبال النوبة وأبناءها هم قلب السودان الحي، لذلك فإن أي حديث عن انفصال للمنطقة عن الوطن الأم لا يزيد على كونه مناورة سياسيين محليين يريدون شروطاً أفضل في المفاوضات أو تقسيماً أكثر توازناً وعدلاً للثروة والسلطة.

Shiraz982003@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى