مقالات عامة

في مديح النيل

د. حسن مدن

ما أكثر الأنهار التي جرت مياهها في الأدب، كم من الشخوص التي خلّدتها الروايات العظيمة والأفلام التي استقرت في ذاكرة السينما العالمية ولن تغادرها. عرفناها وهي تجري بمحاذاة الأنهار التي تشق يابسة البلدان والعواصم التي عاشت فيها تلك الشخوص. كم من اللقطات التي لا تنسى التقطت لهم وهم مستغرقون في التأمل، ضاحكين أو عابسين، حزانى أو فرحين.
شيء ما، غامض وشاعري ومحير، يشد الناس إلى الماء، عذباً كان أو مالحاً. وللأنهار، نبعاً ومجرى ومصباً وحياة، مكانة القلب في هذه العلاقة، ربما لأنه، أكثر من البحر، يشعرنا بالقرب منه، فهو إذ يشاطر الناس على اليابسة التي يقطعها يخلق في نفوسهم شعوراً تجاهه بالصداقة، بالجيرة، والألفة.
كم من الشعر، كم من النثر قيل عن النيل العظيم. هذا النهر بالذات حكاية فريدة من نوعها بين أنهر الدنيا، فما من نهر ارتبطت به حياة الناس كما هذا النهر، في جماله وسحره وعطفه، جنونه وغضبه وقسوته.
إلى مصر أتى اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، ولم يكن قد ذاع صيته بعد ككاتب كبير. لم يكن قد كتب «زوربا» بعد، ولا «المسيح يُصلب من جديد»، ولا «تقرير إلى جريكو». وعن مصر كتب يومياته. صحيح أن «الزوروبي» اللاحق لم يكن، يومها، قد تحرر بعد من عقدة الأوروبي الذي ليس بوسعه أن يرى أن الحضارة على الضفة الأوروبية من المتوسط تعلمت وأخذت الكثير من الضفة الأخرى، فخذلته هذه النظرة في أن يرى أن الحضارة الفرعونية سابقة لحضارة الإغريق، وأن هؤلاء تعلموا منها، لا العكس، لكن لم يكن بوسعه، رغم ذاك، أن يفلت من سحر مصر ونيلها.
كان محقاً في أن يرى أننا لن نقدر قيمة الأهرامات والمومياوات الذهبية ومعابد الكرنك العملاقة وتماثيل الملوك المصنوعة من الجرانيت دون أن ننظر إلى مجرى النيل العميق المنخفض والخصب، وأن نسمع الصوت المنبثق من الرجال، من الفلاحين: صوت حاد ورتيب، صرخة أزلية لشاعر كادح مجهول، وأن نحدق في عيون هؤلاء الرجال اللوزية السوداء وشفاههم الغليظة، ونبصر النسوة كحيلات العيون يسرن صوب النهر كي يملأن جرارهن الفخارية بالماء.
يومها كتب: «إن النيل هو الأكثر قداسة من بين الأنهار الثلاثة العظيمة المقدسة وهي النيل والفرات والجانج، فهو الذي نقل التربة وغمرها بالماء وجعلها مثقلة بالثمار، وأنجب الحيوانات والنباتات والبشر، وهو في النهاية من أجبر الناس على العمل معاً من أجل تنظيم واكتشاف العلوم».
ومن أجل إيجاز فكرته، ينقل الكلمات التالية التي وجدت قبل ثلاثة آلاف سنة من ميلاد المسيح على أحد الأهرامات: «أولئك الذين يدينون بالفضل للنيل يرتعدون، لكن الحقول تضحك وضفاف النهر تزهر وتنحدر قرابين الآلهة من السماء. إن قلب الآلهة يرقص فرحاً».
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى