مقالات عامة

الأمانة والأمن جذر واحد

عبد اللطيف الزبيدي

هل الفوضى العربية غاية لا غنى عنها لدى عمدة قرية العالم؟ ترسّخ المصطلح الكونداليزيّ، وإن كان سابقاً على عهد بوش الابن، وصارت الفوضى كأنها مدرسة فنيّة تتّصف بالقدرة على الإبداع. الفن السياسيّ الذي أضافته هو أنها لو وضعت نقطة حبر على ورقة، لأصبح تدويلها حتميّة، ولأفلتت السيطرة عليها من أيدي العرب.
أضحت السيادة مجرّد كعكة. ما تراه وطنك وعماد هوّيتك، الذي تفتديه بالروح، تراه القوّة أوراقاً ترسم عليها ما تشاء. هكذا كانت «سايكس-بيكو»، وفي التاريخ الماضي والحاضر والآتي الكثير. التاريخ لدى القوّة دفتر«خربشات». ما تتشبّث به أجيال كحقائق تتغنى بها شعراً، وتجسّده تماثيل، تسعى ممحاة الجبروت إلى محوه من ذاكرة الأجيال التالية، فإذا استعصى على المحو، هشّمت الجماجم التي تحفظ الذاكرة.
تناقلت الوكالات أن واشنطن «عرضت» على السلطة الفلسطينيّة إقامة دولة للفلسطينيّين (قابلة للحياة) عاصمتها أبوديس، ضمن صفقة القرن، مقابل أن تكون «إسرائيل» دولة يهوديّة عاصمتها القدس الموحدّة الكاملة غير المنقوصة، إلى الأبد، أي حتى بعد فناء الكوكب والمنظومة الشمسيّة ومجرة درب التبّانة وبقيّة الكون. توقيع ترامب لا نهائيّ الطموح! نسي الرئيس أن يضمن للولايات المتحدة الاستفراد بالعالم إلى الأبد. في هذا كان فيلسوفاً وحكيماً.
لعلّ السلطة تذكّرت هربرت جورج ويلز في «العقل في منتهى حدود الاحتمال» أي ما لا يطاق، لكن تصوير القرآن للمسؤوليّة شيء آخر في سحر البيان: «إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً» (الأحزاب 72). هذه الآية تتوهج فيها روح أوزار القيادة السياسيّة، منتهى حدود تحمّل الأمانة، وإلاّ فحملها ظلم وجهالة. الظلم لأنها ائتمان، والجهالة هي عدم معرفة جسامة أعبائها. من لا يستطيع فعليه الامتناع، والناس سيثنون على معرفته قدر طاقته. من ادّعى القدرة على حمل هذه الأمانة وهو غير قادر، فقد تجاوز لويس الرابع عشر القائل: «أنا الدولة»، إلى القول «أنا التاريخ». العرب في مفصل تاريخيّ هو الميزان، فعلى من ينبري لحمل الأمانة ألاّ يزن الشعوب بحصاة، ويتوهم أن الحصوة هي الكفّة الراجحة. ألا يخشى تهشم الميزان؟ على النظام العربيّ أن يردّد في ذهنه الأسئلة: من يقدر على مقايضة القدس بأبوديس؟ أليس هذا فخّاً نصب للأمّة كلّها لإغراقها في الفوضى الجهنميّة؟ أين الأبواب العالية من الأمن القوميّ للأوطان؟
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغويّة: ما الذي دار في ذهن العربيّة حتى اشتقّت الأمانة والأمن من جذر واحد؟
abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى