مقالات عامة

صغيرات على الريجيم

نور المحمود

حين تسافر أو تبتعد قليلاً عن الاحتكاك اليومي بمحيطك ومعارفك، تكتشف بسهولة التغيرات التي طرأت على الناس والمجتمع. فبعض المسائل التي من المفترض أن تكون شخصية، تجدها صارت عامة وتنتقل بشكل «سلس» بين الناس وكأنها أمر عادي وطبيعي، والحديث عنها موصول في كل بيت.
من تلك الظواهر مثلاً أن تجد البنات الصغيرات في السن، والمراهقات، مهرولات إلى «الدايت»، ولا مانع أو خوف من دخول غرفة العمليات وتسليم أنفسهن لمبضع الجراح من أجل الحصول على شكل جميل. فهل مرض السمنة صار منتشراً بهذه الكثافة، أم أنه مرض آخر اسمه «هوس الرشاقة والجمال»؟
السمنة المفرطة تستدعي العلاج، وأحياناً يكون خيار الجراحة إلزامياً لا مفر منه كي يحافظ الإنسان على سلامة بدنه وصحته. لكن لماذا تلجأ الفتيات المراهقات إلى العمليات وهن بعد يزهرن ولم يكتمل نموهن بشكل كامل؟ حتى من بلغن العشرينات من العمر يزرن العيادات والمستشفيات بكثافة، فهل جمال الشكل صار هوساً، أم أن «تجار الجمال» شطّار يعرفون كيف يغسلون أدمغة الناس فيسوقونهم إلى غرف العمليات مخدرين بوهم الكمال والرشاقة والحياة الوردية؟
لا حاجة لإحصاءات وأرقام كي نعرف ماذا يحصل، فالنماذج حية وموجودة حولنا، ولا أحد يسأل ماذا بعد العمليات؟ ما من مبضع يشق بدن الإنسان دون أن يترك آثاراً تحتاج إلى وقت لتشفى لكنها لا تزول. وما يدعوك للاستغراب، هو الشجاعة التي تتحلى بها تلك المراهقات، لاتخاذ هذا القرار، ولا شك أن صوت الطبيب الجراح، وصوت من يسمونهم خبراء التنحيف، أعلى من صوت أي أم وأب يسعيان جاهدين لإقناع فلذات الأكباد بأنهن جميلات وأن النضوج واكتمال النمو كفيل بإحداث تغيير كبير في أجسادهن، وما عليهن سوى التريث، والتعود على أن يحببن أنفسهن كما هن، فيحبهن الآخرون.
صغيرات على الريجيم، لكن «موضة» التنحيف تفشت في العالم، كنتيجة طبيعية لمرحلة ما بعد انتشار «الفاست فود» وسموم المأكولات السريعة والحلويات والسكاكر الاصطناعية.. كلها تجارة يصدرونها لنا، ونتلقفها ونروّج لها بامتياز. يتحكمون في أشكال عارضات الأزياء، يأخذوهن مراهقات، يفرضن عليهن نظاماً غذائياً لا غذاء فيه، كمن يأكل الهواء ليتنفس ويبقى على قيد الحياة فقط، ومن خلالهن يفرضن على الفتيات والنساء قاموس الجمال وفق معاييرهم الخاصة.. ثم تهرول الغالبية لتطبيق المعايير على أنفسهن بشكل أعمى.
قولوا للفتيات جميعاً والمراهقات خصوصاً، لسنا كلنا عارضات أزياء ولا المطلوب أن نعيش ونتحرك ونأكل وفق مقاييس مصممي الموضة والمتحكمين في حياة وصحة العارضات. كلكن جميلات، وكلكن قادرات على فرض قوانينكن على الجميع ورفض هذا التلاعب بعقولكن. ليس صعباً أن تقلن لا، فتغيّرن العالم وتحمين أنفسكن من الاتجار بالجسد والصحة والحياة، فتحدثن فرقاً كبيراً، وتعشن بلا مخاطر وتصبحن فريسات الأمراض وضعف المناعة بسبب حلم الجمال الوهمي.

Email: noorlmahmoud17@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى