مقالات عامة

العالم العربي أولاً

د. محمد الصياد

لم تفلح تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا مندوبته الدائمة في الأمم المتحدة نيكي هايلي، ولا هستيريا نتنياهو وأوامره بتحريك السفارات «الإسرائيلية» حول العالم، في منع إلحاق أول هزيمة بالرؤوس الصهيونية الحامية في واشنطن و«تل أبيب»، حيث صوّت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس 21 ديسمبر/كانون الأول 2017 بأغلبية ساحقة على قرار يرفض اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل». حيث أيدت 128 دولة مشروع القرار، مقابل اعتراض 9 دول وامتناع 35 دولة عن التصويت. ولأننا نحن أيضاً يجب أن نتعرف على الدول التي انضمت إلى أمريكا و«إسرائيل» في التصويت ضد القرار ونتذكرها، نبادر إلى تسميتها وهي: جواتيمالا، وهندوراس، وتوجو، وميكرونيزيا، وناورو، وبالاو، وجزر مارشال.
الولايات المتحدة التي زمجرت وأرعدت تهديداً ووعيداً للدول التي ستصوت لصالح القرار، بأنها ستسجل أسماءها و«تتذكرها» في مواقيت توزيع مساعداتها السنوية الخارجية، على طريقة تهديدات أجهزة مخابرات بلدان العالم الثالث، لم تتحمل هذه الهزيمة السياسية والأخلاقية والمعنوية، فسارعت للتعبير عن ركوب رأسها بالإعلان عن تسريع العمل لنقل السفارة إلى القدس. وعلى ذلك نرى أن لا طائل من الاتصالات الثنائية التي تجريها القيادة الفلسطينية مع بعض عواصم صناعة القرار الدولي: باريس وموسكو وبكين، بهدف محاولة حث واشنطن على العدول عن قرارها، مثلما عبر عن ذلك في أحد لقاءاته الإذاعية سفير فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور، الضليع في القانون الدولي والذي كان عوناً قانونياً للمجموعة التفاوضية العربية في جولات المفاوضات الصعبة التي جرت في مؤتمر الأطراف الـ21 لتغير المناخ في باريس (30 نوفمبر/تشرين الثاني – 13 ديسمبر/كانون الأول 2015).
فقرار نقل السفارة أُقر من قبل الكونجرس منذ عام 1995، بموجب قانون نص صراحةً على «وجوب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة «إسرائيل» وعلى نقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس»، وكان القرار (مودع لدى محكمة التنفيذ بلغة القانون)، ينتظر فقط من ينفذه، فكان ذلك على يد الرئيس الجديد. إنما التحرك باتجاه نزع ولاية ووصاية الولايات المتحدة من ملف القضية الفلسطينية لتوليته سلطة دولية بديلة، هو توجه معقول يتطلب من كافة القيادات الفلسطينية أن تلقي بكل ثقلها خلفه، رغم الصعوبة الكبيرة جداً التي تكتنف هذه المحاولة بسبب عدم استعداد واشنطن للتخلي لأي طرف آخر عن وصايتها على هذا الملف الذي تعتبره مصيرياً بالنسبة لها اعتباراً بحقيقة أن «إسرائيل» هي أمريكا وأمريكا هي «إسرائيل». فضلاً عن أن حلفاء واشنطن الأوروبيين، مثل فرنسا على سبيل المثال، لن يجازفوا بمزاحمة واشنطن وإغضابها ما لم تكن لهم مصلحة مادية مغرية تجبرهم على فعل ذلك. فالأوروبيون لا يقلون ميركانتيلية (تجارية) عن الأمريكيين في تعاطي السياسة من بابها التجاري وليس المواثيقي والأخلاقي.
روسيا هي الأخرى ليست في وارد التقدم لأخذ الملف من واشنطن ما لم تحصل من البلدان العربية على مغريات، في صورة صفقات وامتيازات مالية وسياسية ولوجستية، تقنعها بالمغامرة بتحدي اللوبيات الصهيونية المالية والإعلامية عبر العالم، بما فيها اللوبي اليهودي النافذ في روسيا، رغم مبادرة الرئيس بوتين لتقليم أظافره في القطاعات الأمنية والنفطية والمالية والإعلامية منذ توليه الرئاسة في عام 2000.
هنا يبرز التساؤل التلقائي: وهل بإمكان القيادة الفلسطينية التعويل على الورقتين العربية والإسلامية للاستقواء بهما في معاركها السياسية والدبلوماسية الجارية والمقبلة. من الناحية الواقعية، تصعُب المراهنة على الجامعة العربية، فهي لا حول لها ولا قوة، ولولا أن وجودها الشكلي يحقق غرضاً معنوياً ما زال يؤخذ بعين الاعتبار، حتى الآن على الأقل، لأصبحت أثراً بعد عين. وهذا ينطبق على المنظمات الإسلامية الجامعة مثل منظمة التعاون الإسلامي، التي شاهدنا هزالة قرارات قمتها الأخيرة في إسطنبول، فهي لم تجرؤ على أخذ تحدٍ موازٍ لخطورة القرار الأمريكي بشأن القدس، بوزن قطع العلاقات وكافة الاتصالات مع «إسرائيل»، أو حتى التلويح بفرض عقوبات اقتصادية على الدول المتورطة في هذه الجريمة العدائية والاستفزازية للمسلمين كافة.
لقد وضع الرئيس ترامب معياراً لمدى حب أو كره العالم لبلاده بمدى استجابتها لنداء المصالح الأمريكية. وهذا يعني أن على بلدان العالم أن تهدر مصالحها في سبيل تحقيق «مبدأ ترامب»: أمريكا أولاً! هنا تكمن المقاربة الأنجع لرد الاعتبار للعرب والمسلمين وللقدس الشريف، وذلك بإعلان وتطبيق مبدأ «العالم العربي أولاً».

alsayyadm@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى