مقالات عامة

القدس بين وعدين

علي قباجه

قديماً قيل «بين حانة ومانة ضاعت لحانا»، فهل ضاعت القدس بين عامي 1917 و2017؟! هو سؤال يكاد لا يفارق مخيلة العربي عامة، والفلسطيني خاصة، فبين مئة عام على وعد «بلفور المشؤوم» في 1917، وقرار بسرقة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في نهاية عام 2017 بوعد مشؤوم آخر، يتغير اللاعبون بين بريطانيا وأمريكا؛ لكن يبقى قدر زهرة المدائن ذاته، عربية إسلامية مهما تعاقبت السنوات والدهور، ومهما تعددت المؤامرات والمهاترات، فمن لا يملك ليست له شرعية الإعطاء لغيره، فالمدينة قدرها فضح الأعداء وقهرهم من على عتباتها، فهي لم ولن تقبل الغرباء، وترابها المضمخ بدماء الشهداء لن يتحول بقرارات سمجة إلى منبت وملجأ للغزاة، فهي مربط البراق وبوابة السماء ومدينة الأنبياء.
قرار ترامب، جعل «إسرائيل» تنتفخ غروراً، وبدأت باستغلاله؛ لتنفيذ مشاريع تهويدية كبرى تحت غطاء أمريكي، وحملت معول الهدم، وفأس القتل، وأعلنت عن مليون وحدة استيطانية، تنهي على ما تبقى من الضفة والقدس، وبدأت بتمويل المستوطنات لتسمينها، والشروع بحفريات أسفل المسجد الأقصى المبارك.
فلسطين في مرحلة زمنية خطرة جداً؛ حيث وضعت الأرض الفلسطينية بين فكي كماشة الولايات المتحدة و«إسرائيل»، فيبدو أن «صفقة القرن» المزعومة هي فقط للاحتلال، وليس للفلسطينيين فيها أي ناقة أو جمل؛ بل هي لنسف أي دولة مستقبلية، أو حل سياسي يجلب ولو جزءاً من الحق الفلسطيني.
فما أشبه الليلة بالبارحة في هذه القرارات المشؤومة، وكأن الحفيد قدره أن يلقى ما لقيه جده منذ مئة عام. وما يثير الحزن، ويُكلِمُ الفؤاد هو الوهن والضعف، الذي أصاب الأمة الإسلامية؛ لتصبح مكبلة غير متمكنة من اتخاذ مواقف فعلية صارمة، تعيد القدس لحاضنتها مطهرة من اليهود. كما أن هذه الأحداث الجِسام التي تهدد هوية فلسطين بحضارتها وعراقتها لم تكن كافية للفصائل الفلسطينية لتكون يداً واحدة، فالانقسام نخر في قوة منطق الحق الفلسطيني، وأضعف القتال على جبهة الاحتلال، فأصبحت الصراعات داخلية، متجاهلين الصراع الحقيقي مع كيان الاحتلال.
المرحلة القادمة جد صعبة، فالقدس لا تريد سؤالاً قديماً حديثاً (وين الملايين؟!) والقدس لا تريد تباكياً، فالسيف ينبغي أن يسبق العزل؛ والسيف هنا الحراك الجاد وعلى الجهات كافة، من قطع العلاقات مع كل من يشد على يد «إسرائيل». وإذا لم تكن هناك خطوات جادة في هذا الصعيد؛ فإنها مسألة وقت حتى يهدم الاحتلال الأقصى، ويعلن رسمياً فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها دولة يهودية لا مكان للفلسطينيين فيها. فماذا نحن فاعلون؟؟

aliqabajah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى