مقالات عامة

ظلال الماضي وأصداؤه

خيري منصور

لم يكن كتاب موريال فايسباخ هو الوحيد الذي صدر بعد اندلاع الحراكات العربية. منذ مطلع هذا العقد، لكن الجديد هو الزاوية التي رصدها الكتاب تحت عنوان «المهووسون بالسلطة»؛ حيث السلطة والنرجسية توأمان، ليس فقط في عصرنا؛ بل عبر كل العصور.
وإن كان لهذا الكتاب أهمية فهي سايكولوجية بالدرجة الأولى؛ حيث وضع الكتاب عدداً من القادة، الذين تخلوا عن السلطة طواعية أو بالقوة تحت المجهر النفسي، وهذه مناسبة للقول إن المثقفين الغربيين حين يكتبون عنا في العالم العربي غالباً ما تكون مقارباتهم مثقلة بالميراث الاستشراقي، وما اختزنوا في الذاكرة من قراءات يختلط فيها السياحي بالسياسي والواقعي بالخيالي؛ ذلك لأنهم في نهاية المطاف ليسوا الأدرى من العرب بشعاب أرضهم ووقائع تاريخهم!
وربما لهذا السبب، فاجأنا كاتب إسباني هو خوان غواتسلو حين كتب عن حراكات العالم العربي بأن عاد إلى ابن خلدون واستضاء بمقدمته؛ ليقرأ واقعاً له خصائصه، ولا يصح أن يعامل بالوصفة المجردة، التي لا تقيم وزناً لاختلاف البيئات الثقافية وما يسود فيها من مفاهيم.
وما يغيب عن البعض حين يتعرضون لنظم أسقطت أو أنهى التاريخ صلاحيتها أن سقوط نظام ما، لا يعني بالضرورة سقوط المفاهيم والرؤى والأفكار والأساليب التي سادت في زمنه. وأقرب مثال هو النظم الشمولية، التي سقطت؛ لكن العادات الذهنية المقترنة بها بقيت من خلال أصدائها وظلالها حتى الآن. وهذا أيضاً ما يمكن قوله عن الحرب الباردة وأدبياتها، فبعد انتهائها استمرت بعض مفاهيمها ومصطلحاتها.
وهناك من المصابين بالنوستالجيا من سارعوا إلى التبشير بعودة الحرب الباردة لمجرد أن حدثاً ما أو قرينة من قرائنها لاحت لهم في الأفق!
وإذا كان المثقف العربي هو الأدرى حقاً بشعاب هذه الجغرافيا ووقائع هذا التاريخ، فإن عليه أن يجترح مقاربات ولا يترجمها أو يستعيرها؛ لأن الصورة النمطية للعرب في الذاكرة الاستشراقية تفرض نفسها وتشوش المشهد!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى