مقالات عامة

النار وقشور البرتقال

يوسف أبو لوز

ترسم الكتابة الإيرانية «آذر نفيسي» المعارضة لنظام وثقافة الملالي صورة شتائية بالغة الخفة والعذوبة في كتابها «..أنْ تقرأ لوليتا في طهران..».. تقول إنها طلبت من زوجها «بيجان» أن يشعل نار الموقد.. ففعل.. «وراحت النار تغمرنا بدفئها اللذيد»، ثم.. «شبابيك مضمخّة بالضباب، أكواب من القهوة تتصاعد أبخرتها هسيس نار موقدة، حلوى من (الكريم بَفْ) بالقشطة، كنزات من صوف سميك، وكانت تتماهى في الغرفة رائحة القهوة والدخان والبرتقال..».. واستكمالاً لهذا المشهد الشتوي تضيف «نفيسي» أن إحدى ضيفاتها وهي «نسرين» قربت كرسيها من الموقد.. «..وراحت يداها اللتان لا تعرفان الهدوء تطعمان النار قشوراً من البرتقال..».
«آذر نفيسي» التي قربت لنا بعدسة مكبرة كيف يتماهى الرجل مع المسدس، وكيف تنطوي الجنازات أحياناً على بعد حسي في حالة تشييع رموز الدين المسيّسين التكفيريين إلى مثاويهم الأخيرة، وقارنت بين المرأة والصَّدَفَة أو المحارة والحجاب، وكيف يمكن لرجل ساذج أن يرى صورة مرجعيته الثقافية في وجه القمر.. هذه «آذر نفيسي».. ليست شاعرة وهي بالكتابة الحية تطعم النار قشور البرتقال ، بل هي أستاذة جامعية وجدت نفسها بشخصيتها الأكاديمية غارقة في عبق شعري يتلألأ باللغة في مادتها السردية السيرية.. «.. أن تقرأ لوليتا في طهران»..
أذهب هنا في هذه الكتابة إلى الكتابة ذاتها، وإلى الشتاء، وبالتالي، الموقد الذي يأكل البرتقال.
الكتابة شغف ومودة وماء.. وخارج ذلك هي خشب أو قشور بصل. والقارئ المحترف تدله بوصلته فوراً إلى الكاتب الخشبي والكاتب المائي، الكاتب الخشبي ترشح من لغته الكآبة وتشعر أن الكلمة الواحدة عنده في حجم فيل.. كلمة ثقيلة بطيئة، والكاتب المائي يحب الجري عادة.. ويسكن بالقرب من البحار.
أما الشتاء فهو فصل الكستناء وكتابة الشعر ومن قصائد الشعراء الشتويين تعلمنا كيف نشوي الكستناء في جمر النار التي كانت تلقمها «نسرين» تلك القشور التي تعطي اللهب شيئاً من روح قوس قزح، أو تصبح للنار رائحة برتقال.
كل هذه التداعيات وراءها تلك الفقرة الشتائية التي كتبتها «آذر نفيسي» في منتهى البساطة.. فيا ترى هل كانت هذه الأستاذة الجامعية صاحبة البحوث الأكاديمية المتخصصة تعرف أن البساطة هي روح الشعر، بل البساطة هي روح الحياة: البساطة في الكتابة، البساطة في الثياب، البساطة في الأكل، البساطة في الكلام.. لا ندري ولكن ثمة جاذبية في الكتابة عند مَنْ هم بسطاء ترقى في وصفها إلى جاذبية الشعر.
الشعر.. هذا الكائن البردان دائماً الذي لا يجد ملاذ دفئه إلا بالقرب من «نسرين» وهي تطعم النار قشور البرتقال.

yabolouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى