مقالات عامة

حكم التداوي بالخمر

د. عارف الشيخ

الأصل في الخمر أنها لا يجوز شربها لأنها محرمة بنص الكتاب والسنة والإجماع،
ولايجوز التداوي بها أيضاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (رواه البخاري)
وفي حديث آخر: (أن طارق بن سويد سأل النبي عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال عليه الصلاة والسلام: إنه ليس بدواء ولكنه داء) (رواه مسلم وأحمد وأبو داوود وابن ماجه).
نعم… قال الأئمة الأربعة المعتمدون رحمهم الله بأنه يحرم الانتفاع بالخمر وسائر المسكرات للمداواة وغيرها.
لكن الحنفية قالوا: يجوز التداوي بالمحرم إن علم يقيناً أن فيه شفاء ولا يوجد دواء آخر يحل محله.
ونقرأ للشافعية أيضاً حرمة التداوي بالخمر لكن قيدوا قولهم بكون الخمر خالصة، أما إذا خلطت بشيء آخر فيجوز، بشرط أن يكون التداوي بقليل لا يسكر (انظر ما أورده الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله تعالى في الفقه الإسلامي وأدلته ج ٣ ص ٥٢٢ – ٥٢٣ نقلاً عن ابن عابدين في حاشيته ج ٥ ص ٢٢٠ والشرح الكبير للدردير ج ٤ ص ٣٥٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ج ٤ ص ١٨٧، والمغني ج ٤ ص ٢٥٥ وج ٨
ص ٣٠٨).
ويقول العز بن عبد السلام: يجوز التداوي بالنجاسات إذا لم نجد طاهراً، لأن مصلحة العافية أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة.
ثم يقول: ولا يجوز التداوي بالخمر إلاّ إذا علم أن الشفاء يحصل بها ولم يجد دواء غيرها (انظر قواعد الأحكام ج ٤ ص ١٨٨).
وربما كان الأوضح في هذه المسألة ما أورده العالمان المالكيان ابن العربي والقرطبي حيث قالا: يجوز الانتفاع بالخمر للضرورة لقوله تعالى: (… فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه…) (الآية ١٧٣ من سورة البقرة) فالضرورة رفعت التحريم، لأن إهمال تعاطي الدواء قد يسبب الوفاة (أنظر أحكام القرآن لابن العربي ج ١ ص ٥٦ وما بعدها، وانظر تفسير القرطبي ج٢ ص ٢٣١).
أقول: والضرورة هي الخوف على النفس من الهلاك، وقد قيد العلماء الضرورة بضوابط مثل أن تكون الضرورة حاصلة لا متوقعة، وألا تكون هناك وسيلة أخرى من المباحات، وألا يخالف المضطر مبادئ الإسلام، وأن يقتصر على رأي الجمهور على القدر اللازم، وأن يصف الضرورة طبيب عدل ثقة.
وقالوا أيضاً بأن المحرم يباح للمضطر في السفر والحضر، وفرق بعضهم بين المعصية بالسفر والمعصية في السفر، فالمسافر لارتكاب معصية لا يجوز له أكل المحرم أو استعمال أي رخصة شرعية لأن سفره غير مشروع.
ومن سافر للتجارة في الحلال، وفي السفر شرب الخمر مثلاً فهو عاصٍ لكونه شرب المحرم، لكن هذا الفعل لا يمنعه من أن يقصر الصلاة مثلاً (انظر المغني لابن قدامة ج٨ ص ٥٩٦ والتوضيح ج ٢ ص ١٩٤ وبداية المجتهد ج١ ص ٤٦٢ والأشباه والنظائر للسيوطي ج١ ص ١٢٤).
وبناء على ما سبق فإن نسبة الكحول الموجودة في الأدوية اليوم يمكن أن تحمل على مثل هذه النصوص الموجودة في كتب علمائنا الأجلاء رحمهم الله تعالى، فهي من باب الضرورة لأن أي دواء لا بد أن تدخله نسبة من الكحول للحفاظ عليه، والأدوية الحديثة ليست مثل الأعشاب القديمة التي لم تكن تتلف بالحر أو غيره.
ويقاس عليه ما يستخدم من الخمر في المواد الحافظة للأطعمة وغيرها، فلا أحد يجزم بحرمتها، ولاسيما أنها ليست خمراً خالصة بل مختلطة بغيرها، وإذ أجازها الفقهاء في تلك العصور فإن جوازها في عصرنا آكد لأن الضرورة والحاجة أشد.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى