مقالات عامة

العرب بين عامين

د. محمد نور الدين

مع نهاية كل عام يبادر الكتّاب وصنّاع القرار إلى جولة تقييم للعام الذي انقضى وتأمّل ما الذي سيكون عليه العام الجديد. ومع أن السياسة ليست مرتبطة بأزمان محددة وهي خطوط مفتوحة ومتشابكة، لكن «التقليد» لا يزال غالباً لرسم أطر تبسيطية لمهمة التقييم، تماماً كما توضع خطط واستراتيجيات أو وثائق الأمن القومي لخمس أو عشر سنوات وربما أكثر.
ولو نظرنا إلى حال العرب من المحيط إلى الخليج فإن المشهد كما الأعوام الماضية يتناقض بين الإيجابي والسلبي وإن كانت السلبيات تغلب في الأعوام الماضية.
إذا نظرنا إلى العلاقات البينية بين الدول العربية نفسها فإنه ليس من دولة لا خلافات لها مع الأخرى بمعزل عن السبب والمسبّب.وحجم الخلافات كبير ويتخذ طابعاً دموياً في أحيان كثيرة. وهذه الخلافات لا شك تنخر الجسم العربي وتوهنه وتجعله لاعباً غير مؤثر في مسار الأحداث الإقليمية والدولية.
إضافة إلى الانقسام العربي الشديد هناك تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية في أكثر من منطقة ولا سيما في سيناء بمصر وبطريقة عمياء لكنها متصلة بقوة بالعوامل السياسية. فليس هناك إرهاب من أجل الإرهاب وكل المجموعات الإرهابية تقف خلفها دول وجهات سياسية إقليمية ودولية.
وبرز في هذا العام تجدد إظهار النزعة الانفصالية الكردية في شمالي العراق وفي شمالي سوريا. ويمكن القول إن المسألة الكردية في العراق شهدت محطة مهمة وإن لم تكن حاسمة. فسعي الأكراد للاستقلال بإجراء استفتاء تلقى ضربة شديدة من جهة وأطاح بمكتسبات كانت لهم ولو بطريقة غير شرعية تحققت بعد دخول «داعش» إلى العراق من جهة أخرى. كما أن فشل الاستفتاء والاستقلال انعكس سلباً على الاستقرار السياسي في كردستان العراق وعلى كونها نقطة جذب لسائر العراقيين والخارج على صعيدي الاستثمار والسياحة.
أما في سوريا فإن اللعبة لم تنتهِ بعد. الأكراد يثبتون مواقعهم من أجل الفيدرالية والولايات المتحدة معهم. لكن أحداً لا يجزم بما إذا كانت واشنطن ستواصل دعمهم ولا تتخلى عنهم كما تخلت عن أكراد العراق.
وبرزت مصر كساحة مفتوحة غير آمنة أمام موجات الإرهاب الشديدة التي ضربت سيناء وداخل مصر. وهذا يواصل في ترك أثره على الأمن القومي المصري الذي يتعرض للتهديد من التنظيمات الإرهابية من ليبيا ومن الجنوب في السودان وإثيوبيا عبر سد النهضة.
أما الساحة الفلسطينية فقد كانت بيت القصيد في العام 2017. ولقد كانت بارقة أمل مهمة في توحيد الصف الفلسطيني عندما حصلت المصالحة بين «حماس» و«فتح» وعادت غزة إلى حضن السلطة الفلسطينية، لكن تنفيذ الاتفاق ما زال متعثراً وقد لا يجد نهايات سعيدة.
في ظل هذا الوضع العربي المأزوم والفلسطيني المتعثر جاء قرار دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدويلة «إسرائيل» محطة مؤثرة جداً على المشهد الفلسطيني من جهة وتحدّياً لكل العالم الإسلامي من جهة ثانية. ومن التجليات الإيجابية أن خطوة ترامب أعادت إيقاظ النزعة الوطنية الفلسطينية والاعتبار للمقاومة ضد الاحتلال «الإسرائيلي». وهي خطوة تفترض أن تسعّر الصراع بين الفلسطينيين والعدو فيما لا يؤمل كثير ولا قليل في مواقف العالم الإسلامي.
تطوق العالم العربي صراعات وانقسامات وفتن من تونس إلى ليبيا ومصر وصولاً إلى سوريا والعراق مروراً باليمن وفلسطين. وبهذه الانقسامات تذهب مقدرات الأمة وثرواتها وطاقاتها هدراً في غير أمكنتها وخارج أي خطوات لتطوير التنمية وتوفير الرفاهية والتفرغ للمستقبل.
وهذا يدفع الجميع لكي يضعوا النقاط على الحروف في العام 2018 وأن يكون عام اللُّحمة والألفة والأخوّة وحل المشكلات وتغليب المصالح الوطنية والقومية على ما عداها.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى